تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ﴾ [الإسراء: 1]؛ أي: لنريه جميع آياتنا.

واعلم أن آيات الله تنقسم إلى قسمين:

قسم منها: هي صفاته القديمة القائمة بذاته.

وقسم هي: آثار صفاته وهي المخلوقات: كالشمس والقمر وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: 12]، وأمثالها كثيرة وهي آثار صفات القدرة، كما قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ﴾ [الروم: 50]، فالرحمة صفة الحق، والماء الذي حيي الأرض آثار الرحمة، والآيات التي هي صفاته مثل آيات القرآن، فالله تعالى: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ [الإسراء: 1]، وهي ليلة المعراج؛ ليريه جميع صفاته، كما سأل الحبيب بقوله: " أرنا الأشياء كما هي " فإنه أيضاً طلب الرؤية؛ ولكن بقدر علو همته، ورفعة مرتبة، وكمال معرفته، فعلى قدر علو همته قال: " أرنا الأشياء ما هي لي "، والأُمِّي كان يرى أن سر الناس من كل وحده برفعة مرتبته، وقال: الأشياء راعى فيها معنيين:

حفظ الأدب وإخفاء مقصوده غاية الإخفاء: في قوله: " الأشياء "، ما قاله الخليل بالنسبة إلى قوم الكليم كان تعريضاً، وبالنسبة إلى قول الحبيب كان تصريحاً، والمعنى الثاني: طلب كمال الرؤية بجميع الصفات؛ لأنه لا يبقى شيء إلا في الأشياء داخلها، فافهم.

ولكمال المعرفة طلب رؤية الماهية، فقال: " كما هي "، ولعمري هذا هو الملك الحقيقي الذي لا ينبغي لأحد من قبله ولا من بعده، وتجلى له الرب تبارك وتعالى تلك الليلة بجميع صفاته، كما قال تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: 16 - 18]، وإنما خص الآيات بالكبرى؛ ليفهم أن الآيات الصغرى هي: الآثار، والآيات الكبرى هي: الصفات العليا، ثم قال تعالى له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد: 19]، هذا إخبار عن إفناء ذاته وصفاته بالكلية عند تجلي الإلوهية، فبعث وحده بإفناء بالماهية عن العبدية وإبقاء بالوحدة؛ ليعلم ما هية ﴿أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد: 19]، فما بقي غير الحق، وما رأى الحق إلا الحق، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [محمد: 19]؛ أي: لذنب حسبانك أنك كاتب وأنت نبي أُمِّي عربي لست بكاتب، وهذه إشارات وبشارات عرفها من عرفها وجهلها من جهلها، ولعلي ما سبقت بهذا التقرير، والله أعلم.

ثم قال لخليله حتى يعلم أنه ليس بكاتب ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 260]؛ يعني بعد أن أحييتك بحياتي وأكرمتك بصفاتي، فأحييت الطيور وعَلِمْت كيفية إحيائي الموتى على قدر استعدادك واستحقاقك، فاعلم أني أعز من أن يُعرف كنه صفة من صفاتي أو كيفيتها أو ما هيتها، ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: 255]، وأنا حيكم لا يحيط بعلمي إلا حكمتي، ولا يحيط بحكمتي إلا علمي، لأنهما موصوفان بإحاطه القدم.

التأويلات النجمية · الصفحة ٢٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التأويلات النجميةص ٢٠٤