تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" بعث الشيطان مزيناً، وليس إليه من الضلالة شيء " وإنما نفوس الإنسان تميل إلى ما يلائم هواها وشهواتها فيسكن ولاءها ومحبتها فيتمنى نيل مرادها ومرامها من شيء أو شخص أو شيطان أو صنم تثبت بذلك وتعلق به وتتولاه وتجعله طاغوتاً يشغلهم عن الله، فلهذا المعنى ينسب الله تعالى الإخراج إليهم بقوله: ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾، كقوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: 35 - 36] إنما بتعبدهم ضلوا إلا بإضلالهن، فكذلك الكفار بتوليهم الطاغوت أخرجوا من النور، ومعنى الآية يخرجونهم من نور الروحانية والإيمان الفطري إلى ظلمات الصفات النفسانية البيهيمة والسبعية والشيطانية ظلمات بعضها فوق بعض، ودركات بعضها تحت بعض إلى أن تكدرت الأرواح وأظلمت بهذه الظلمات وتخلقت بأخلاق النفوس واتصفت بصفاتها.

وكما أن النفوس إذا تنورت بنور الإيمان والأرواح وعلت إلى عالم الأرواح وأعلى عليين القرب مع كونها سفلية فبإكسير الشرع تصير متصفة بصفة العلويات فتدعى بقوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي﴾ [الفجر: 27 - 28]، فكذلك الأرواح العلوية لما اتصفت بصفات النفس الأمارة وانقلبت جواهر النورانية بإكسير الطبع الحيواني ظلمانية أمرت بالهبوط إلى أسفل سافلين البعد، دليله قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 4 - 5]، فإفساد استعداد الروحاني بالكفر ومتابعة الهوى ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: 6] استثنى منهم أرواح المؤمنين ﴿أُولَئِكَ﴾ [البقرة: 39] يعني: أرواح الكفار ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [البقرة: 39]؛ أي: مع أصحاب النار وهم النفس والشيطان والطاغوت ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 39]، أي: معهم فيها خالدون لأنكم أيها الأرواح وإن لم تكونوا من جنس لما شبههم بهم فمن تشبه قوماً فهو منهم ومن أحب قوماً فهو معهم خالدين في النار وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.

التأويلات النجمية · الصفحة ١٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التأويلات النجميةص ١٩٥