﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: 83].
وسادسها: التوبة أي: سبح لله ذرات الملكوتيات توبة واستغفار بلسان الحال، عما قال بعضها بلسان القال: اتخذ الله ولداً بقوله تعالى: ﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحديد: 1] أي: هو أعز من أن يتخذ ولداً حكيم بأن لا يفعل مثل هذا، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 143].
وسابعها: الدعاء أي: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44]، ودعاء وتضرعاً وابتهالاً وتخشعاً واعتذاراً وتواضعاً وانكساراً واعترافاً بظلم من قال هذا القول على أنفسهم، ولولا تضرعهم ودعائهم تكاد السماوات تتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولداً، كما قال تعالى في حق يونس عليه السلام: ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: 143 - 144] أي: من الداعين وكان من دعائه قوله تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]، فكذلك قوله تعالى: ﴿بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: 116] أي: كل ذرة من ذراتها وإعواز بقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44].
ثم أخبر عن كمال تنزيهه وقدرته بقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: 117]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى نزه، ذاته أن يكون له ولد باسمه البديع عند أهل الحقيقة من لا مثيل له ولا شبيه له يقال: هذا شيء بديع إذا كان عديم المثل، فالله ولي الموجودات بهذا الوصف؛ لأنه يمنع أن يكون له مثل أزلاً وأبداً وولد الشيء يكون مثله وشبهه، فلهذا قال تعالى في موضع آخر: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام: 101] يعني: لو كان له ولد لما كان بديعاً إذا كان له شبيه، ولهذا نفى الكفر عن أحديته عند تنزيه ذاته تعالى عن الولد والوالد وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 3 - 4]، وقال تعالى: تأكيداً لمعنى القدرة ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 117]، معناه الولادات تكون بامتداد الزمان والزمان عبارة عن نقل حركات الفلك والأفلاك من جملة مخترعاته إذ هو ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً﴾، أراد خلق شيء وإيجاده ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 117]، بكلام قديم ﴿كُنْ﴾ وهو أمر قديم فيه تتعلق القدرة القديمة وفق الإرادة القديمة بالشيء المحدث فيوجد بالصفة المخصوصة في الوقت المعلوم، فيكون كما أراد، فأنى حاجته بالولادة والولد تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
ثم أخبر عن جهل أهل العناد بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ﴾ [البقرة: 118]، الآيتين والإشارة فيهما أن الذين لا يعلمون أن الله متكلم من الأزل إلى الأبد بكلام قديم واحد، وكلامه متعلق بجميع المكونات أمر التكوين، وهو خطاب ﴿كُنْ﴾ فأسمع السماوات والأرض خطابه: أئتيا طوعاً أو كرهاً، فسمعت، وقالت أتينا طائعين ويرى سائر المكلفين أمر التلكيف، فقالوا: ﴿لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ﴾ [البقرة: 118]، وما علموا أن الله يكلمهم على الدوام، ولكن لهم آذان لا يسمعون بها، وإنهم عن السمع لمعزولون، ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم كما أسمع قوماً أخبر عنهم، كما أخبره عنهم