تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ الصَّائِغُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، قَالَ: " الرَّجُلُ يَهُمُّ ⦗١٦١⦘ بِالْمَعْصِيَةِ، فَيَذْكُرُ اللهَ عز وجل فَيَدَعُهَا " وَكَانَ مُحَالًا أَنْ يُخَالِطَ ذَلِكَ الْخَوْفُ مِنْ مَقَامِ اللهِ عز وجل مَنْ يَرْكَبُ الزِّنَى وَالسَّرِقَةَ، فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةَ اللَّذَيْنِ أُرِيدَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّمَا هُمَا زِنًى وَسَرِقَةٌ قَدْ كَانَا فِي حَالٍ مِمَّنْ كَانَا مِنْهُ، ثُمَّ زَالَ عَنْ ذَلِكَ الْحَالِ إِلَى خَوْفِ مَقَامِ رَبِّهِ عز وجل الْخَوْفُ الَّذِي يَمْنَعُهُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَتْ هَاتَانِ الْحَالِانِ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ضِدُّ الْأُخْرَى، عَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا كَانَتْ فِي حَالِ عَدَمِ الْأُخْرَى، فَكَانَتِ الْحَالُ الْمَذْمُومَةُ فِي الْبَدْءِ، ثُمَّ تَلِيهَا الْحَالُ الْمَحْمُودَةُ، فَصَارَ صَاحِبُهَا فِيهَا إِلَى خَوْفِ مَقَامِ رَبِّهِ، وَرَدَّ السَّرِقَةَ عَلَى مَنْ سَرَقَهَا مِنْهُ، وَطَلَبَ وَعْدَ رَبِّهِ، وَخَافَ وَعِيدَهُ، وَكَانَ بِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ مَا ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ زَنَى، وَقَدْ سَرَقَ فِي حَالٍ قَدْ نَزَعَ عَنْهَا إِلَى حَالٍ مَحْمُودَةٍ صَارَ إِلَيْهَا وَقَدْ وَجَدْنَا فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ عز وجل مَا قَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِيهِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٩]، فَأَعْلَمَنَا عَزَّ ⦗١٦٢⦘ وَجَلَّ أَنَّ مَنَ كَانَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ كَانَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْوَعِيدِ، ثُمَّ أَعْقَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عز وجل: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، فَكَانَ مَنْ صَارَ إِلَى هَذِهِ الْحَالِ صَارَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْوَعْدِ، وَخَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْوَعِيدِ، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ أَحْوَالَ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ غَيْرُ أَحْوَالِ خَوْفِ مَقَامِ اللهِ عز وجل، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْحَالَيْنِ كَانَتْ، وَالْحَالَةُ الْأُخْرَى مِنْهُمَا مَعْدُومَةٌ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا بَيَانٌ لِمَا وَصَفْنَا وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ

شرح مشكل الآثار · الجزء ١٠ · الصفحة ١٦٠

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح مشكل الآثارج ١٠ · ص ١٦٠