تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيْبَهَا} [الكهف: 78] قَرَأَ إِلَى ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: 79] وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيْبَهَا﴾ [الكهف: 79] حَتَّى لَا يَأْخُذَهَا الْمَلِكُ، فَإِذَا جَاوَزُوا الْمَلِكَ رَقَعُوهَا وَانْتَفِعُوا بِهَا، وَبَقِيَتْ لَهُمْ، ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَينِ﴾ [الكهف: 80] قَرَأَ إِلَى ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: 82] فَجَاءَ طَائِرٌ فَجَعَلَ يَغْمِسُ مِنْقَارَهُ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ: تَدْرِي مَا يَقُولُ هَذَا الطَّائِرُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِنَّ هَذَا يَقُولُ: مَا عِلْمُكُمَا الَّذِي تَعْلَمَانِ فِي عِلْمِ اللهِ إِلَّا مِثْلُ مَا أَنْقُصُ بِمِنْقَارِي مِنْ جَمِيعِ هَذَا الْبَحْرِ " (1)

شرح المفردات:

(وَنَوْف) بِفَتْحِ النُّون وَبِالْفَاءِ, (وَالْبَكَالِيّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَكَسْرهَا وَتَخْفِيف الْكَاف - وَوَهَمَ مَنْ شَدَّدَهَا - مَنْسُوب إِلَى بَكَال بَطْن مِنْ حِمْيَر, وَوَهَمَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَنْسُوب إِلَى بِكِيل بِكَسْرِ الْكَاف بَطْن مِنْ هَمْدَانَ لِأَنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ, وَنَوْف الْمَذْكُور تَابِعِيّ مِنْ أَهْل دِمَشْق فَاضِل عَالِم لَا سِيَّمَا بِالْإِسْرَائِيلِيَّاتِ, وَكَانَ اِبْن اِمْرَأَة كَعْب الْأَحْبَار وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ.

(كَذَبَ عَدُوّ اللَّه) قَالَ ابن التِّين: لَمْ يُرِدْ اِبْن عَبَّاس إِخْرَاج نَوْف عَنْ وِلَايَة اللَّه, وَلَكِنَّ قُلُوب الْعُلَمَاء تَنْفِر إِذَا سَمِعَتْ غَيْر الْحَقّ, فَيُطْلِقُونَ أَمْثَال هَذَا الْكَلَام لِقَصْدِ الزَّجْر وَالتَّحْذِير مِنْهُ وَحَقِيقَته غَيْر مُرَادَة. قُلْت: وَيَجُوز أَنْ يَكُون اِبْن عَبَّاس اِتَّهَمَ نَوْفًا فِي صِحَّة إِسْلَامه, فَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ فِي حَقّ الْحُرّ بْن قَيْس هَذِهِ الْمَقَالَة مَعَ تَوَارُدهمَا عَلَيْهَا. وَأَمَّا تَكْذِيبه فَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ لِلْعَالِمِ إِذَا كَانَ عِنْده عِلْم بِشَيْءٍ فَسَمِعَ غَيْره يَذْكُر فِيهِ شَيْئًا بِغَيْرِ عِلْم أَنْ يُكَذِّبهُ, وَنَظِيره قَوْله - صلى الله عليه وسلم -: " كَذَبَ أَبُو السَّنَابِل " أَيْ: أَخْبَرَ بِمَا هُوَ بَاطِل فِي نَفْس الْأَمْر.

(فَقَالَ أَنَا أَعْلَم) فِي جَوَاب أَيّ النَّاس أَعْلَم؟ قِيلَ: إِنَّهُ مُخَالِف لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة السَّابِقَة فِي بَاب الْخُرُوج فِي طَلَب الْعِلْم قَالَ: هَلْ تَعْلَم أَحَدًا أَعْلَم مِنْك؟ وَعِنْدِي لَا مُخَالَفَة بَيْنهمَا; لِأَنَّ قَوْله هُنَا " أَنَا أَعْلَم " أَي: فِيمَا أَعْلَم, فَيُطَابِق قَوْله " لَا " فِي جَوَاب مَنْ قَالَ لَهُ: هَلْ تَعْلَم أَحَدًا أَعْلَم مِنْك؟ فِي إِسْنَاد ذَلِكَ إِلَى عِلْمه لَا إِلَى مَا فِي نَفْس الْأَمْر.

فَلَوْ قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام: " أَنَا وَاَللَّه أَعْلَم " لَمْ تَحْصُل الْمُعَاتَبَة, وَإِنَّمَا عُوتِبَ عَلَى اِقْتِصَاره عَلَى ذَلِكَ, أَيْ: لِأَنَّ الْجَزْم يُوهِم أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي نَفْس الْأَمْر, وَإِنَّمَا مُرَاده الْإِخْبَار بِمَا فِي عِلْمه كَمَا قَدَّمْنَاهُ, وَالْعَتْب مِن اللَّه تَعَالَى مَحْمُول عَلَى مَا يَلِيق بِهِ لَا عَلَى مَعْنَاهُ الْعُرْفِيّ فِي الْآدَمِيِّينَ كَنَظَائِرِهِ.

(فِي مِكْتَل) بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الْمُثَنَّاة مِنْ فَوْق: الزَّبيل الكَبِير.

(1) - السنن الكبرى للنسائي (10/ 159) (11243) صحيح

القصص في السنة النبوية · الصفحة ١٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القصص في السنة النبويةص ١٤٦