تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خَلْقًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَغَيَّرَهُ عَنْ هَيْئَتِهِ وَصُورَتِهِ إِلَى صُورَتِهَا، وَكَذَلِكَ هِيَ عِنْدَنَا. وَإِذَا صَحَّ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ صَحَّتْ مَخَارِجُ مَعَانِي مَا ذَكَرْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ أَنَّ الْمَسْخَ لَا يُعْقِبُ، وَقَوْلِهِ إِذْ سُئِلَ عَنِ الضَّبِّ: «إِنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ فَلَعَلَّ هَذَا مِنْهُمْ»، وَمَخْرَجُ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الْمَسْخَ لَا يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، وَذَلِكَ أنْ تَكُونَ الْأُمَّةُ الْمَمْسُوخَةُ هَلَكَتْ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَلَمْ تُعْقِبْ وَلَمْ تَنْسِلْ، وَتَكُونَ كَرَاهَةُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَكْلَ الضِّبَابِ إِذْ كَرِهَهُ؛ حِذَارًا أَنْ تَكُونَ مِنْ نَوْعِ مَا مَسَخَ اللَّهُ مِنَ الْأُمَّةِ الَّتِي مَسَخَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ كَانَ لَمْ يَمْسَخْ تَعَالَى ذِكْرُهُ خَلْقًا مِنْ خَلْقِهِ عَلَى صُورَةِ دَابَّةٍ مِنَ الدَّوَابِّ، إِلَّا كَرَّهَ إِلَى أُمَّةِ نَبِيِّنَا - صلى الله عليه وسلم - أَكْلَ لَحْمِ تِلْكَ الدَّابَّةِ الَّتِي مَسَخَ ذَلِكَ الْخَلْقَ عَلَى صُورَتِهِ أَوْ حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ. وَذَلِكَ كَتَحْرِيمِهِ عَلَيْهِمْ لُحُومَ الْخَنَازِيرِ الَّتِي مُسِخَتْ عَلَى صُورَتِهَا أُمَّةٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَكَتَحْرِيمِهِ لُحُومَ الْقِرَدَةِ الَّتِي مُسِخَتْ عَلَى صُورَتِهَا مِنْهُمْ أُمَّةٌ أُخْرَى، وَتَكْرِيهِهِ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ. فَإِنْ قَالَ: أَفَكَانَتْ عِنْدَهُ الضِّبَابُ مِنَ الْمُسُوخِ، وَسَبِيلُهَا سَبِيلُهَا؟ قِيلَ: إِنَّ فِي قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ أُمَّةً مُسِخَتْ فَأَرْهَبُ أَنْ تَكُونَهُ»، وَفِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «فَلَعَلَّ هَذَا مِنْهُمْ»، بَيَانًا وَاضِحًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهَا مِنْ نَوْعِ الْأُمَّةِ الَّتِي مُسِخَتْ - وَلِذَلِكَ لَمْ تُحَرَّمْ - وَأَنَّهُ لَوْ تَبَيَّنَ لَهُ مِنْهَا مَا تَبَيَّنَ مِنَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ لَحَرَّمَ أَكْلَهَا عَلَى آكِلِهَا، وَلَكِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَأَى خَلْقًا مُشْكِلًا، يُشْبِهُ خَلْقَ الْمُسُوخِ؛ فَكَرِهَ أَكْلَهَا لِذَلِكَ، وَلَمْ يُحَرِّمْهُ؛ إِذْ لَمْ يَكُنْ أَتَاهُ الْوَحْيُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ. وَفِي صِحَّةِ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ كَرَاهَتِهِ أَكْلَ لُحُومِ الضِّبَابِ، مَعَ إِذْنِهِ لِآكِلِيهَا فِي أَكْلِهَا، الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّ مِنَ أُمُورِ الدِّينِ أُمُورًا، الْوَرَعُ فِي الْإِحْجَامِ عَنِ التَّقَدُّمِ عَلَيْهَا، وَالْفَضْلُ فِي الْكَفِّ وَالْإِمْسَاكِ عَنْهَا، وَإنْ كَانَ غَيْرَ مُحَرَّمٍ التَّقَدُّمُ عَلَيْهَا؛ وَذَلِكَ إِذَا الْتَبَسَتْ عَلَى الْمَرْءِ أَسْبَابُهَا، وَلَمْ يَتَّضِحْ لَهُ وَجْهُ صِحَّتِهَا وُضُوحًا بَيِّنًا، كَالَّذِي فَعَلَ - صلى الله عليه وسلم - فِي أَكْلِ لَحْمِ الضَّبِّ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ؛ أَخْذًا مِنْهُ بِالِاحْتِيَاطِ لِنَفْسِهِ، وَاسْتِبْرَاءً مِنْهُ لِدِينِهِ؛ إِذْ خَافَ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَوْعِ الْمُسُوخِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ نَظَائِرَهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْهَ آكِلَهُ عَنْ أَكْلِهِ؛ إِذْ لَمْ تَكُنْ وَضَحَتْ لَهُ صِحَّةُ أَمْرِهِ أَنَّهُ مِنْ نَوْعِ الْمُسُوخِ. وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ الْمُتَمَسِّكُ مِنْ أُمَّتِهِ بِمِنْهَاجِهِ فِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ؛ يُحْجِمُ عَنِ التَّقَدُّمِ عَلَيْهِ؛ أَخْذًا مِنْهُ بِالِاحْتِيَاطِ لِنَفْسِهِ، وَاسْتِبْرَاءً لِدِينِهِ، وَلَا يَذُمُّ الْمُتَقَدِّمَ عَلَيْهِ ذَمَّ مُؤَثِّمٍ، وَلَا يَلُومُهُ لَوْمَ مُعَنِّفٍ" (1)

من فوائد الحديث:

1 - قَالَ فِي مِرْقَاة الصُّعُود: قَالَ الشَّيْخ عِزّ الدِّين بْن عَبْد السَّلَام: كَيْف يُجْمَع بَيْن هَذَا وَبَيْن مَا وَرَدَ أَنَّ الْمَمْسُوخ لَا يَعِيش أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَة أَيَّام وَلَا يُعْقِب، وَالْجَوَاب أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يُخْبِر بِأَشْيَاء مُجْمَلَة ثُمَّ يَتَبَيَّن لَهُ كَمَا قَالَ فِي الدَّجَّال عن النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ، فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ، حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَلَمَّا رُحْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟»

(1) - تهذيب الآثار مسند عمر (1/ 177) فما بعدها وانظر: منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (5/ 178)

القصص في السنة النبوية · الصفحة ١٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القصص في السنة النبويةص ١٢٠