تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تَظَاهَرْتِ الْأَخْبَارُ عَنْهُ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «لَا آمُرُ بِهَا وَلَا أَنْهَى عَنْهَا». قَالُوا: فَنَقُولُ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَنَكْرَهُ أَكْلَهَا كَمَا كَرِهَ، وَلَا نَقُولُ لِمَنْ أَكَلَهَا: أَكَلَ حَرَامًا، وَلَا نَنْهَاهُ عَنْ أَكْلِهَا، وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّا نَكْرَهُهُ. ذِكْرُ الْأَ خْبَارِ الْوَارِدَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «لَا آمُرُ بِأَكْلِ الضَّبِّ وَلَا أَنْهَى عَنْهُ»، وَأَنَّهُ قَالَ: «أُمَّةٌ مُسِخَتْ، فَأَرْهَبُ أَنْ تَكُونَهُ»

وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ يَقُولُونَ: نَكْرَهُ أَكْلَ الضَّبِّ. وَقَالَ آخَرُونَ: أَكْلُ لَحْمِ الضَّبِّ حَرَامٌ ... قَالُوا: فَالْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالنَّهْيِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِهَا صَحِيحَةٌ، وَالرِّوَايَةُ عَنْهُ بِذَلِكَ ثَابِتَةٌ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ، وَلَا عَلَى إِبَاحَةِ مَا حَظَرَ - صلى الله عليه وسلم -

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا مَا صَحَّ بِهِ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ لَحْمَ الضَّبِّ غَيْرُ حَرَامٍ عَلَى آكِلِهِ أَكْلُهُ؛ إِذْ لَمْ يَنْهَ عَنْ أَكْلِهِ آكِلَهُ، عَلَى مَا بَيَّنَهُ - صلى الله عليه وسلم -، وَلَمْ يَأْتِنَا بِتَحْرِيمِهِ إِيَّاهُ عَنْهُ خَبَرٌ يَصِحُّ سَنَدُهُ. وَنَكْرَهُ لَهُ أَكْلَهُ تَقَذُّرًا، وَنَنْهَاهُ عَنْهُ تَنَزُّهًا، كَمَا كَرِهَهُ - صلى الله عليه وسلم - لِنَفْسِهِ تَقَذُّرًا وَعَافَهُ، فَنَهَى عَنْهُ تَنَزُّهًا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ مِنْهُ لَهُ. فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: أَوَلَيْسَ قَدْ أَخْبَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ أَمَرَهُمْ وَقَدْ غَلَتِ الْقُدُورُ بِلُحُومِهَا بِكَفْئِهَا؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ فِي كَفْئِهَا - إِنْ كَانَ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ لُحُومِ الضِّبَابِ كَانَ حَلَالًا - إِفْسَادَ طَعَامٍ حَلَالٍ أَكْلُهُ، وَفِي إِفْسَادِ ذَلِكَ - وَهُوَ حَلَالٌ - تَضْيِيعُ مَالٍ، وَفِي تَضْيِيعِ الْمَرْءِ مَالًا مِنْ مَالِهِ - وَلَا سِيَّمَا الطَّعَامُ الَّذِي هُوَ غِذَاءُ الْأَبْدَانِ وَأَقْوَاتُ الْأَجْسَادِ - الدُّخُولُ فِي مَعَانِي أَهْلِ السَّفَهِ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الْحَجْرَ، وَالتَّقَدُّمُ عَلَى مَا قَدْ نَهَى عَنْهُ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ. قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ - وَإِنْ كَانَ طَعَامًا بِالْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْتُ مِنْ كَرَاهَةِ النَّفْسِ لَهُ وَتَقَذُّرِهَا إِيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ حَرَامٍ عَلَى آكِلِهِ أَكْلُهُ - لَمْ يَسْتَحِقَّ الرَّامِي بِهِ - إِذَا رَمَى بِهِ - وَلَا مُهْرِيقُ قِدْرِهِ - إِذَا أَهْرَاقَهَا - اسْمَ مُضَيِّعِ مَالٍ، وَمُفْسِدِ طَعَامٍ، كَمَا غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مُهْرِيقُ قِدْرِ طَبِيخٍ قَدْ أَرَاحَ وَنَمِسَ - حَتَّى صَارَ مِنْ تَغَيُّرِ طَعْمِهِ وَرَائِحَتِهِ إِلَى حَالٍ تَكْرَهُهُ النَّفْسُ، وَتَعَافُ أَنْ تَطْعَمَهُ - اسْمَ مُضَيِّعِ مَالٍ، وَلَا مُفْسِدِ طَعَامٍ؛ بِإِرَاقَتِهِ إِيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ حَلَالًا أَكْلُهُ، غَيْرُ حَرَامٍ عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ. فَكَذَلِكَ إِرَاقَةُ مُرِيقِ الْقِدْرِ الْغَالِيَةِ بِلُحُومِ الضِّبَابِ - إِذَا أَرَاقَهَا - غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ اسْمَ مُضَيِّعِ مَالٍ، وَلَا مُفْسِدِ طَعَامٍ؛ إِذَا كَانَتْ إِرَاقَتُهُ ذَلِكَ تَقَذُّرًا وَتَنَزُّهًا عَمَّا تَنَزَّهَ عَنْهُ - صلى الله عليه وسلم - وَتَقَذَّرَهُ، وَإِنْ كَانَ أَرَاقَ مَا هُوَ غَيْرُ حَرَامٍ عَلَى طَاعِمٍ أَنْ يَطْعَمَهُ وَمَنْ أَنْكَرَ مَا قُلْنَا فِي لُحُومِ الضِّبَابِ عَلَى السَّبِيلِ الَّتِي وَصَفْنَا، سُئِلَ عَنِ الْأَطْعِمَةِ النَّمِسَةِ، وَالْقُدُورِ الْمُرِيحَةِ، وَالْأَطْبِخَةِ الَّتِي قَدْ مَاتَتْ فِيهَا الْخَنَافِسُ وَالْجِعْلَانُ وَبَنَاتُ وَرْدَانَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الدَّوَابِّ الَّتِي لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ، فَتَغَيَّرَتْ رَوَائِحُهَا بِمَوْتِ مَا مَاتَ فِيهَا مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى تَقَذَّرَتِ النُّفُوسُ النَّظَرِ إِلَيْهَا وَعَافَتْهُ، فَضْلًا عَنْ أَكْلِهَا، أَيَأْثَمُ مُرِيقُهَا بِإِرَاقَتِهَا، وَيَسْتَحِقُّ طَارِحُهَا بِطَرْحِهَا اسْمَ مُضَيِّعِ مَالٍ، وَمُفْسِدِ طَعَامٍ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، خَرَجَ مِنْ مَعْقُولِ أَهْلِ الْعَقْلِ، وَخَالَفَ مَا عَلَيْهِ جَمِيعُ الْأُمَّةِ، مِنْ إِجَازَتِهِمْ إِلْقَاءَ ذَلِكَ وَطَرْحَهُ وَتَرْكَ أَكْلِهِ. وَإِنْ قَالَ: بَلْ غَيْرُ حَرِجٍ الرَّامِي بِهِ، وَلَا آثِمٌ مُلْقِيهِ وَمُرِيقُهُ. قِيلَ لَهُ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ، وَبَيْنَ مُرِيقِ قِدْرِ طَبِيخِ لُحُومِ الضِّبَابِ الَّتِي أَرَاقَهَا مَنْ أَرَاقَهَا تَقَذُّرًا

القصص في السنة النبوية · الصفحة ١١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القصص في السنة النبويةص ١١٧