مُتَّصلٌ مبنيٌّ فِي محلِّ جرٍّ مُضافٌ إلَيهِ. هذا في إعرابه أمَّا في دلالتِهِ فأفادَ القَسَمَ، ومثلُهُ في الدِّلالةِ علَى القَسَمِ قولهم: بَلَغني لَأَفعلّنَّ، وانتَهَى الأَمرُ لَأَكتُبَنَّ، وقِيلَ لِي لتَأتِيَنَّ.
(وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَملأَنَّ جَهَنَّمَ منَ الجِنَّةِ والنَّاسِ أَجمعِينَ)، فَهذِهِ الجملةُ ضُمِّنَتْ مَعنَى القسَمِ كقولِهِ تَعَالَى: ((وإذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وحِكمةٍ)، ثمَّ عقَّبَ بِقَولِهِ: (لَتُؤمِنُنَّ بِهِ). فهذا الأُسلُوبُ القرآنيٌّ لا يَرقَى النَّثرُ ولا الشِّعرُ لِمِثلِهِ مُطلَقاً. ومثلُهُ مِن الأَفعالِ في أداءِ معنَى القسَمِ: " وإذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ"، وقوله: (ولَقَد كانُوا عاهَدُوا اللهَ)، وقوله: (وقَضَيْنا إلَى بَنِي إسرَائِيلَ)، وقوله: (كَتَبَ اللهُ).
المسألةُ السَّادسَةُ والسَّابِعة:
وقَولُهُ تعالَى: (تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ). (1) العَرَبُ لا تَقُولُ: تَا الرَّحمَنِ، ولا يَجعلُونَ مَكانَ الوَاوِ تاءً إلَّا فِي لَفظِ " الله " عزَّ وجلَّ. وذلِكَ أنَّها أَكثرُ الأَيمانِ مُجرَى فِي الكَلامِ، فَتوهَّمُوا أنَّ الواوَ مِنها لِكثرَتِها، وأبدلُوها تاءً (2)، كما قالُوا: التُّرثُ، وهِيَ مِن ورِث.
وقوله: (لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا)، الَّلامُ لامُ القَسَمِ، وقد: حرف تحقيق، وعَلِمْتُم: فعل ماضٍ، والتاء: ضميرٌ متصلٌ في محلّ رفع فاعل. وجملة: (لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا): واقعة في جواب القسم لا محلَّ لها من الإعراب. وجَوابُ القَسَمِ الَّذِي جاءَ فِي الآيةِ: (ما جِئْنا لِنُفسِدَ فِي الأَرضِ) اقتَرَن بـ " ما " النَّافيةِ، ولم يقفُ النُّحاةُ عندَه كَثيراً، فهو قَسَمٌ مؤلَّفٌ من أداة وفعلٍ وجواب.
وفي قوله: (تَاللهِ تَفتَأُ تَذكُرُ يُوسُفَ). (3) مَعناهُ لا تَزالُ تَذكُرُ يُوسُفَ، و " لا " قد تُضمَرُ مَعَ الأَيمانِ، لِأنَّها إذا كانَتْ خَبَراً لا يُضمَرُ فِيهَا " لا " لم تكنْ إلا بـ " لام "، ألا تَرَى أنَّكَ تَقُولُ: واللهِ لآتِيَنَّكَ، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: واللهِ آتِيكَ إلا أنْ تَكُونَ تُرِيدُ " لا " فلمَّا تَبَيَّنَ مَوضِعُها، وقد فَارَقتِ الخبرَ أُضمِرَتْ، قالَ امرُؤُ القيس: (من الطويل)
(1) الآية 73 من سورة يوسف.
(2) معاني القرآن 2: 51.
(3) الآية 85 من سورة يوسف.