إنَّ سيبويه يَرَى أنَّ مِثلَ هذِهِ الَّلامِ الأولى " أنْ"، إذا قُلْتَ: واللهِ أنْ لَو فَعَلْتَ لَفَعَلْتَ. وقالَ: (من الطويل)
فَأُقسِمُ أنْ لَوِ التَقَيْنا وأنتُمُ لَكانَ لَكُم يَومٌ مِنَ الشَّرِّ مُظلِمُ (1)
فـ "أنْ " فِي " لو " بِمنزِلةِ " الَّلامِ " فِي " ما "، فجاءَتْ لامانِ، لامٌ لِلأَوَّلِ، ولامٌ لِلجَوابِ، هِيَ الَّتِي يَعتَمِدُ علَيها القَسَمُ.
المسألَةُ الرَّابعة:
وقَولُهُ: (وإنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَيُبَطَئَنَّ). (2) دخَلَتْ الَّلامُ الَّتِي في " مَنْ " لمكانِ " إنَّ "، كَمَا تَقُولُ: إنَّ فِيهَا لَأَخَاكَ. ودَخَلَتِ الَّلامُ فِي (لَيُبَطَئَنَّ)، وهِيَ صِلةٌ لـ " مَنْ " علَى إِضمارٍ شَبِيهٍ بِاليَمِينِ، كَمَا تَقُولُ فِي الكَلامِ: هذا الَّذِي لَيَقُومَنَّ، وأَرَى رَجُلاً لَيَفعَلَنَّ مَا يُرِيدُ. (3)
تعليقٌ ومقارنة:
إنَّ أُسلُوبَ القَسَمِ الَّذِي وَرَدَ فِي الآيةِ الكَرِيمةِ يَختلِفُ عن المرَّاتِ الَّتِي فِي المَسائِلِ السَّابقةِ فِي ترَكِيبِهِ وطَرِيقةِ عرضِهِ، فالَّلامُ الَّتِي دَخَلَتْ فِي قَوْله: " لَمَنْ"، وَفُتِحَتْ هِيَ الَّلامُ الَّتِي تَدْخُلُ تَوْكِيدًا لِلْخَبَرِ مَعَ " إِنَّ ", كَقَوْلِ الْقَائِل: إِنَّ فِي الدَّار لَمَنْ يُكْرِمُكَ, أي: هذِهِ الَّلامُ الأولَى للتَّوكِيدِ، وَأَمَّا اللَّام الثَّانِيَة الَّتِي فِي (لَيُبَطِّئَنَّ (فِهِيَ لَامُ القَسَمِ, و" مَنْ " في موضِعِ نَصبٍ وصِلَتُها " لَيُبَطِئَنَّ " لأنَّ فِيهِ مَعنَى القَسَمِ، والخَبرُ "مِنكُم ". كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام: وَإِنَّ مِنْكُمْ - أَيّهَا الْقَوْمُ - لَمَنْ وَاَللهِ لَيُبَطِّئَنّ. فَهَذا قَسَمٌ صَرِيحٌ مَحذُوفٌ تَقديرُهُ: واللهِ لَيُبَطِّئَنَّ.
(1) الكتاب 3: 107. والشاهد فيه: مجيء " أن "توكِيداً لقسم، والثانية وقعت جواباً للقسم، ولذلك لا تجتمع " الَّلامانِ " في موضع واحد، فتقدمت واحدة وتأخرت أخرى.
(2) الآية 72 من سورة النساء.
(3) معاني القرآن 1: 275.