تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمعنَى أي: مِمَّنْ أَظهَرَ الإيمانَ لَمَنْ يُبطِئُ عنِ القِتالِ، يُقالُ: قَد أَبطَأَ الرُّجُلُ وبَطُؤَ بِمعنَى أبطَأ تأَخَّرَ، ومعنى بَطُؤَ ثَقُلَ إبطاءً وبُطْئاً (1).

فالَّلامُ الأُولَى الَّتي فِي "لَمَنْ " لامُ " إنْ "، والَّلامُ الَّتِي فِي " لَيُبَطَّئَنَ " هِيَ لامُ القَسَمِ، و " مَنْ " مَوصُولَةٌ بِالجالِبِ للقَسَمِ، كأنَّ هذا لَو كَانَ كَلاماً لَقُلْتَ: إنْ مِنكُم لَمَنْ أَحلِفُ واللهِ لَيُبَطِّئَنَّ، والنَّحويُونَ يُجمِعُونَ علَى أنَّ " مَنْ " و " مَا " و " الَّذِي " لا يُوصَلْنَ بِالأمرِ والنَّهيِ إلَّا بِما يُضمَرُ مَعَهَا مِنْ ذِكرٍ الخَبَرِ أي: صِلةُ المَوصُولِ لا تَكونُ طَلَباً، فإذا وَقَعَتْ كَذلِكَ قُدِّرَ لَهَا جُملَةٌ خَبَرِيَّة، كَمَا قُدِّرَ هُنا الفِعلُ " أَحلِفُ " وكَذلِكَ صِلةُ المَوصُولِ، وأنَّ لامَ القَسَمِ إذا جَاءَتْ مَعَ هذِهِ الحُرُوفِ فَلَفظُ القَسَمِ وما أَشبَهَ لَفظُهُ مُضمَرٌ مَعَهَا.

المَسأَلَةُ الخامِسَةُ:

وقَولُهُ تَعالَى: (وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَملأَنَّ جَهَنَّمَ). (2) صَارَ قَولُهُ -عزَّ وجلَّ: (وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) يمِيناً، كَمَا تَقُولُ: حَلفِي لَأَضرِبَنَّكَ، وبَدَا لِي لَأَضْرِبَنَّكَ. وكُلُّ فِعلِ كَانَ كَتَأوِيلِ بَلَغَنِي، وقِيلَ لِي، وانتَهَى إلَيَّ، فَإنَّ " الَّلامَ وأنْ " تَصلُحانِ فِيهِ. فَتَقُولُ: قَدْ بَدَا لِي لأَضرِبَنَّكَ، وبَدَا لِي أنْ أَضرِبَكَ. فَلَو كانَ: وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أَنْ يَملأَ، كَانَ صَواباً، وكَذلِكَ: (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِنْ بَعدِ ما رَأَوا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ) (3)، ولو كانَ: أنْ يَسجُنُوهُ، كانَ صَوَابَا (4).

تعليق ومقارنة:

امتازَ القَصَصُ القُرآنيُّ هُنا بِأُسلُوبٍ مُتفرِّدٍ في عَرضِهِ لِأُسلُوبِ القَسَمِ، فهذِهِ التراكيبُ التي استُعملَتْ في القَسَمِ إنَّما جاءت لبيانِ معانٍ تَشتَمِلُ علَيها دُونَ غيرِها، فَقَولُ اللهِ، سُبحانَهُ: وتَمَّتْ: الواوُ حَسَبُ ما قَبلَها. وتَمَّتْ: فعلٌ ماضٍ، وكلِمةُ: فاعِلٌ مَرفُوعٌ، وربِّ: مُضافٌ إلَيهِ، والكافُ ضَميرٌ

(1) لسان العرب مادة: "بطؤ ".

(2) الآية 119 من سورة هود.

(3) الآية 35 من سورة يوسف.

(4) معاني القرآن 2: 31.

القسم في معاني القرآن للفراء · الصفحة ١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القسم في معاني القرآن للفراءص ١٦