المبحث الثالث
معنى وتوجيه
المَسأَلةُ الثَّامِنةُ:
وقولُهُ تَعالَى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ). (1) قالَ: (أَو لَتَعُودُنَّ) فَجعَلَ فِيها لاماً كَجَوابِ اليَمِينِ، وهِيَ فِي مَعنَى شرط، مِثلُهُ فِي الكَلامِ أَنْ تَقُولَ: واللهِ لأَضْرِبَنَّكَ أو تُقِرَّ لِي. فيكون معناه معنى: "حتَّى " أو " إلَّا "، إلَّا أنَّها جاءَتْ بِحرفِ نَسَق. (2)
هذا القَسَمُ الَّذِي ذَكَرَهُ الفَرَّاء هنا قَسَمٌ فِيهِ حذْفٌ وتقدِيرٌ، وهو: وقَالَ الَّذِينَ كفَرُوا لِرُسُلِهِم، والجَوابُ: لَنُخرِجَنَّكُم مِن أَرضِنا أَو لَتَعُودُنَّ، وجُملةُ (لَنُخرِجنَّكُم): جَوابُ القَسَمِ لا محلَّ لها مِن الإعرابِ. وهِيَ فِعليَّةٌ، والحذفُ فِيهِ " واللهِ ". ويَعرِضُ لِمَسألةٍ نحويَّةٍ غايةٍ في الأهميّةِ، وهِيَ ما يأتِي بَعدَ جَوابِ القَسَمِ مُتبِعاً لَهُ بـ " أو " حرفِ العَطفِ، فمنَ العَربِ مَنْ يَجعلُ الشَّرطَ مُتبِعاً للَّذِي قَبلَهُ، إنْ كانَتْ فِي الأوَّلِ لامٌ كانَ في الثاني لامٌ، وإنْ كَانَ مَنصُوباً أو مَجزُوماً نَسَقُوا علَيهِ، كَقَولِهِ: أو " لَتَعُودُنَّ "، ومِن العَربِ مَنْ يَنصِبُ ما بَعدَ " أو " لِيُؤذِنَ نَصبُهُ بِالانقِطاعِ عمَّا قَبلَهُ. وقالَ الشَّاعر (3): (من الرَّجز)
لَتَقعُدِنَّ مَقعَدَ القَصِيِّ مِنِّيَ ذِي القَاذُورَةِ المَقْلِيِّ
أَو تَحلِفِي بِرَبِّكِ العَلِيِّ أَنِّي أَبُو ذَيَّالِكِ الصَّبِيِّ
فَنَصبَ (تَحلِفِي) لأنَّه أرادَ: أنْ تحلِفي، ولو قالَ: أو " لِتَحلِفَنَّ "، كانَ صواباً، ومِثلُهُ قولُ امرئِ القيس: (من الطويل)
بَكَى صاحِبِي لَمَّا رأَى الدَّربَ دُونَهُ وأَيقَنَ أنَّا لاحِقانِ بِقَيصَرا
(1) الآية 13 من سورة إبراهيم.
(2) معاني القرآن 2: 70.
(3) معاني القرآن 2: 70. ينظر في اللسان مادة (ذا) في حرف الألف اللينة. وينظر شرح ابن عقيل 2: 329. والبيتانِ يُنسَبان إلَى رؤبة بن العجاج، وقال ابن بري: هما لأعرابيٍّ قَدِمَ من سفرٍ فَوَجَدَ امرأتَهُ وَضَعَتْ فَأنَكرَهُ.