تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المسجد أماكنُ كثيرة وأوصافٌ عجيبة لا تُتَصوَّر إلا بالمشاهدة عيانًا، ومن أعظم مَحاسِنه أنَّه إذا جلَس إنسانٌ فيه في أيِّ مَوضِعٍ منه يرى أنَّ ذلك الموضع هو أحسن المواضع وأشرحها؛ ولذا قيل: إنَّ الله نظَر إليه بعين الجمال، ونظر إلى المسجد الحرام بعين الجلال.

أَهِيمُ بِقَاعِ الْقُدْسِ مَا هَبَّتِ الصَّبَا = فَتِلْكَ رِبَاعُ الأُنْسِ فِي زَمَنِ الصِّبَا

وَمَا زِلْتُ فِي شَوْقِي إِلَيْهَا مُوَاصِلاً = سَلاَمِي عَلَى تِلْكَ المَعَاهِدِ وَالرُّبَى

والحمد لله الذي وفَّقني لزيارته، ويُنسَب إلى بيت المقدس جماعةٌ من العُبَّاد الصالحين والفُقَهاء؛ ومنهم: نصر بن إبراهيم بن نصر بن إبراهيم بن داود أبو الفتح المقدسي الفقيه الشافعي الزاهد، أصلُه من طرابلس وسكَن بيت المقدس ودرس بها، وكان قد سمع بدمشق من أبي الحسن السمسار، وأبي الحسن محمد بن عوف، وابن سعدان، وابن شكران، وأبي القاسم، وابن الطبري، وسمع بآمد: هبة الله بن سليمان وسليم بن أيوب بصور وعليه تفقَّه، وعلى محمد بن البيان الكازروني، وروى عنه أبو بكر الخطيب وعمر بن عبدالكريم الدهستاني، وأبو القاسم النسيب وأبو الفتح نصر الله اللازقي، وأبو محمد بن طاوس وجماعة، وكان قدم دمشق سنة (71) في نصف صفر، ثم خرَج إلى صور وأقام بها نحو عشر سنين، ثم قدم دمشق سنة (80) فأقام بها يحدِّث ويدرس إلى أنْ مات، وكان فقيهًا فاضلاً زاهدًا عابدًا وَرِعًا، أقام بدمشق ولم يقبَل لأحدٍ من أهلها صلة، وكان يَقتات من غلَّة تُحمَل إليه من أرضٍ كانت له بنابلس وكان يخبز له منها كلَّ يوم قرص في جانب الكانون، وكان مُتقلِّلاً مُتزهِّدًا، عجيب الأمر في ذلك، وكان يقول: درست على الفقيه سليم من سنة (37) إلى سنة (40) ما فاتني فيها درسٌ ولا إعادة، ولا وجعت إلا يومًا واحدًا وعُوفِيتُ، وسُئِل: كم في ضمن التِّعلِيقة التي صنَّفها من جزء؟ فقال: نحو ثلاثمائة جزء، وما كتبتُ منها حرفًا وأنا على غير وضوء، أو كما قال.

وزاره تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان يومًا، فلم يقم إليه، وسأله عن أحل الأموال السلطانيَّة فقال: أموال الجزية، فخرَج من عنده وأرسل إليه بمبلغٍ من المال وقال له: هذا من مال الجزية، ففرَّقه على الأصحاب ولم يقبله، وقال: لا حاجةَ لنا إليه، فلمَّا ذهب الرسول لامَه الفقيه أبو الفتح نصر الله بن محمد، وقال له: قد علمتَ حاجتنا إليه فلو كنتَ قبلته وفرَّقته فينا، فقال: لا تجزع من فوته؛ فلسوف يأتيك من الدنيا ما يَكفِيك فيما بعدُ، فكان كما تفرَّس فيه، وذكَر بعضُ أهل العلم قال: صحبت أبا المعالي الجويني بخراسان ثم قدمتُ العراق، فصَحِبتُ الشيخ أبا

القدس مسرى النبي وقبلة القلب الأبي · الصفحة ٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القدس مسرى النبي وقبلة القلب الأبيص ٨٣