فقال: لكنَّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: أولا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وجه الاستدلال:
أن ابن عباس وأهلَ المدينة لم يعتدُّوا برؤية أهل الشام، وقول ابن عباس: (هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم) يدل على أن هذا ليس من اجتهاده، وإنما هو امتثال لِما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون هذا الحديث حجة في عدم اعتبار رؤية البلدان المتباعدة، وأن لأهل كل بلد رؤيتَهم (1).
ناقش المخالفون حديث كريب من وجهين:
1 - يحمل الحديث على أنهم لا يفطرون بقول كريب وحده، بل لا بد من شهادة رجُلين، أو استفاضة.
2 - الحجة إنما تكون في المرفوع من رواية ابن عباس، وليس في اجتهاده، وهذا المرفوع يخالفه حديثٌ صحيح - تقوم به الحجة - وهو ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من أهل السنن بلفظ: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تُفطروا حتى تروه؛ فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) (2)، وهذا لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد، بل هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين؛ فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم (3).
القول الرابع:
قال به عكرمة - مولى ابن عباس - والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب، وإسحاق بن راهويه: أن لكل بلد رؤيته الخاصة به، ولا يلزم برؤية غيره، واستدلوا على ذلك بحديث كريب المتقدم (4).
خلاصة وترجيح:
يمكن رد الأقوال الفقهية في مسألة المطالع إلى اتجاهين:
أولهما: لا يعتد باختلاف المطالع؛ فإذا رئي الهلال في بلد لزم جميعَ البلاد العملُ بهذه الرؤية، وهذا هو المشهور عند الحنفية والحنابلة، واختاره الليث بن سعد، وحكاه البغوي عن الشافعي، وإليه ذهب القاضي أبو الطيب، والروياني وقال: إنه ظاهر المذهب، واختاره جميع أصحابنا، وهو ما رواه ابن القاسم وابن وهب عن مالك، ويمكن أن نقول: إنه رأي المالكية، بعد أن نقلنا عدم ثبوت ما ادعَوْه من الإجماع على عدم لحوق رؤية الهلال ما بعُد من البلاد؛ كالأندلس من خراسان.
(1) () القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 2/ 295.
(2) () البخاري مع الفتح: 4/ 119 - 120، مسلم بشرح النووي: 7/ 189 - 194.
(3) () الشوكاني، نيل الأوطار: 4/ 195.
(4) () ابن قدامة: المغني: 4/ 328.