والاتجاه الآخر: يعتد باختلاف المطالع، فلا يلتزم أهلُ البلد الذي لم يَرَ الهلال برؤية غيرهم، إلا إذا كان بين البلدين تقارُب، حدده البعض بحسب مطالع الشمس والقمر، وحدده البعض الآخر بحسب الأقاليم، ورأى بعضهم تحديده بمسافة القصر، وهذا الاتجاه يمثل قول جمهور الشافعية، وهو قول عند الحنابلة، وأخذ به بعض الحنفية وبعض المالكية، ويمكن أن نضم إليه ما نقل عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق.
وبناءً على ذلك نقول: إن مسألة اعتبار اختلاف المطالع أو عدم اعتباره من المسائل الاجتهادية التي يسُوغ الخلاف فيها، ولا يرجح الدليل أحد الاتجاهين على الآخر؛ لتقارب الأدلة، ومع ذلك فإني أميل إلى الاتجاه الذي يعتبر اختلاف المطالع؛ لأنه يضم ابن عباس - حبر الأمة وترجمان القرآن - وعكرمة والقاسم وسالِمًا وإسحاق، وهو قول جمهور الشافعية، وقول في المذهب الحنبلي، وبه قال بعض الحنفية - منهم الزيلعي - وبعض المالكية - منهم ابن عبدالبر - وهذا هو المتبادر إلى الفهم من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته؛ فإن غُمِّي عليكم الشهر، فعدوا ثلاثين))؛ ذلك أن الهلال لا يظهر - في نفس الوقت - لكل أهل الأرض، ولا يحجبه الغيم عن كل أهل الأرض، فتكون لكل بلد رؤيته، وفق الضوابط الآتية (1):
1 - أن الشمس والقمر وسائر الكواكب إذا طلعت على بلد واقع على أحد خطوط الطول - ممتدًّا من الشمال إلى الجنوب - كانت مشرقة على جميع البلدان الواقعة على هذا الخط.
2 - كل البلاد الواقعة غربي هذا الخط يكون الهلال ثابتًا عندها - مهما اختلفت المطالع - وكلما كانت البلاد أشد بُعدًا من جهة الغرب، كان الهلال أظهر.
3 - متى ابتدأت رؤية الهلال على خط من خطوط الطول، فجميع البلاد التي تقع شرقه لا يكون الهلال ظاهرًا فيها، ولا يرى إلا في الليلة التالية، وعلى هذا يفسر حديث كريب؛ حيث رأى الهلال في دمشق (45 درجة - خط الطول الشرقي من جرينتش) ليلة الجمعة، ورآه أهل المدينة (50 درجة - خط الطول الشرقي) ليلة السبت.
4 - لا اختلاف بين أهل الأرض قاطبة في رؤية الهلال إلا بليلة واحدة فقط؛ لأن الهلال إذا ظهر في بلدة ولم يظهر فيما قبلها، فإنه يتم دورته بعد أربع وعشرين ساعة، فيراه جميع سكان المعمورة.
(1) () أحمد الفريح، أحكام الأهلة والآثار المترتبة عليها، غير منشور، الرياض: 1426 هـ، ص 179 - 180، نقلًا عن رسالة الهلال لطنطاوي جوهري، ص 38 - 40.