المطلب الثاني
اختلاف المطالع من الناحية الفقهية
اتفق الفقهاء من مختلف المذاهب على وجوب صيام شهر رمضان برؤية الهلال (1)؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)) (2).
وإنما وقع الخلاف بينهم فيما إذا رُئي الهلال في بلد ولم يُرَ في بلد آخر، وجملة أقوالهم في ذلك تعود إلى أربعة:
القول الأول: إذا رئي الهلال في بلد لزم جميع البلاد العملُ بهذه الرؤية، والصيام بموجبها، وهو رأي الحنفية، والحنابلة، واختاره الليث بن سعد، وهذه بعض نصوصهم:
في المذهب الحنفي:
جاء في فتح القدير: ((وإذا ثبت في مصرٍ لزم سائرَ الناس، فيلزم أهل المشرق برؤية أهل المغرب، في ظاهر المذهب)) (3)، وزاد ابن عابدين قوله: ((وهو المعتمد عندنا)) (4).
وفي المذهب الحنبلي:
جاء في الإنصاف: ((قوله: وإذا رأى الهلالَ أهلُ بلد، لزم الناسَ كلَّهم الصومُ، لا خلاف في لزوم الصوم على من رآه، وأما من لم يره، إن كانت المطالع متفقة لزمهم الصوم أيضًا، وإن اختلفت المطالع، فالصحيح من المذهب لزوم الصوم أيضًا)) (5)، وفي المغني: ((وإذا رأى الهلال أهل بلد لزم جميع البلاد الصومُ، وهذا قول الليث)) (6).
وينضم إلى هذا الرأي بعض المالكية وبعض الشافعية؛ ففي المنتقى: (وإذا رأى أهل البصرة هلال رمضان، ثم بلغ ذلك أهلَ الكوفة والمدينة واليمن، فالذي رواه ابن القاسم وابن وهب عن مالك: لزمهم الصيامُ، أو القضاء إن فات الأداء) (7).
وفي طرح التثريب للعراقي: (وقال آخرون: إذا رُئي ببلد لزم أهل جميع البلاد الصومُ .. وإليه ذهب القاضي أبو الطيب، والروياني، وقال: إنه ظاهر المذهب، واختاره جميع أصحابنا، وحكاه البغوي عن الشافعي نفسه) (8).
(1) () المرداوي، الإنصاف بتحقيق التركي: 1419 هـ - 1998 م، ج 7 ص 335 (لا خلاف في لزوم الصوم على من رآه).
(2) () رواه مسلم، في باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، من كتاب الصيام: 2/ 759.
(3) () ابن الهمام، فتح القدير، ط 1397 هـ - 1977 م، ج 2/ 243.
(4) () ابن عابدين، حاشية رد المحتار: 2/ 393.
(5) () المرداوي، الإنصاف: 7/ 335 - 336.
(6) () ابن قدامة، المغني بتحقيق التركي والحلو: 1417 هـ - 1997، ج 4 ص 328.
(7) () الباجي، المنتقى شرح الموطأ، ط. دار الكتاب الإسلامي: 2/ 37.
(8) () العراقي، طرح التثريب، ط. دار الفكر العربي: 4/ 116.