توفيقا من الله - تعالى - لصلاح الإسلام والمسلمين،إذ منع الوقوع فى الخلاف والنزاع. وقد استشار أبو بكر كبار الصحابة فى أمر هذا الاختيار،مثل عبد الرحمن بن عوف،وعثمان بن عفان،وغيرهما،وظهر من إجاباتهم أن الناس تخاف من شدة عمر،إلا أن أبا بكر كان يعلم أن شدته ما هى إلا قوة فى الحق،وذكر ذلك للناس فرضوا به،وكتب وصيته بذلك،ثم أسلم الروح إلى بارئها.
ها هى رحلة الحياة قد أوشكت أن تأتى بالختام،وقد جاوز الخليفة المبارك الثالثة والستين،وهو مشغول ليله ونهاره بأمر آخرته وشؤون أمته،تشغله أحوال جيوشه التى أرسلها تجاهد هنا وهناك،وأمور رعيته وفيهم الفقير والمريض وذو الحاجة..
صعد الصديق المنبر فى خلافته يوما،وأراد أن يروى للناس شيئا سمعه من النبى ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لكنه بكى حين تذكر رسول الله،ثم أخذ يروى الحديث للناس والدموع تملأ عينيه وتبلل كلماته.. لقد كانت الدنيا ثقيلة على قلب أبي بكر ورسول الله فيها،فكيف يطيقها وقد ودّعها النبى ـ - صلى الله عليه وسلم - ؟!
استمر أبو بكر يدبر شئون المسلمين على أحسن ما يكون،وفق ما يهديه الله إليه،ويمليه عليه دينه وإيمانه،حتى اغتسل فى يوم بارد فأصابته الحُمّى التى لا يطيقها الأقوياء،فكيف بشيخ كبير قد أوهنت الأيام عظامه،وأرهقت بدنه؟! وجاءوا يسألون أبا بكر:أنأتى لك بالطبيب؟ فقال:قد رآني،فعادوا يسألونه:ماذا قال لك؟ فأجابهم:قال إنى أفعل ما أشاء!!
وفى مرض الموت لازمت العظمة شخصية أبي بكر،فبدا جبلا بين الناس،حتى اتخذ فى هذه الظروف التى لا يهتم فيها الإنسان إلا بما يعانى من كُرَب الموت وشدائده اتخذ الكثير من القرارات والتوصيات الرائعة،فأوصى بالخلافة من بعده إلى عمر بن الخطاب بعد أن شاور فيه كبار الصحابة،وأوصى عمرَ بأن يدعم المثنى بن حارثة على جبهة فارس بالجنود والقوات،كما تنازل لبيت مال المسلمين عما قبضه من راتب طوال خلافته،وأوصى بأن تغسله زوجته أسماء بنت عميس،وأن يكفَّن فى ثيابه؛ لأن الحى أحوج إلى الجديد من الميت..