الباب الثالث
فضائل عمر بن الخطاب رضي الله عنه
المبحث الأول
الخلاصة في حياة الفاروق
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:وَثَانِيَ الْقَوْمِ عُمَرُ الْفَارُوقُ ذُو الْمَقَامِ الثَّابِتِ الْمَأْنُوقِ،أَعْلَنَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ دَعْوَةَ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ،وَفَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْفَصْلِ وَالْهَزْلِ،وَأَيَّدَ بِمَا قَوَّاهُ بِهِ مِنْ لَوَامِعِ الطَّوْلِ،وَمَهَّدَ لَهُ مِنْ مَنَائِحِ الْفَضْلِ شَوَاهِدَ التَّوْحِيدِ،وَبَدَّدَ بِهِ مَوَادَّ التَّنْدِيدِ،فَظَهَرَتِ الدَّعْوَةُ،وَرَسَخَتِ الْكَلِمَةُ،فَجَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا مَنَحَهُ مِنَ الصَّوْلَةِ مَا نَشَأَتْ لَهُمْ مِنَ الدَّوْلَةِ،فَعَلَتْ بِالتَّوْحِيدِ أَصْوَاتُهُمْ بَعْدَ تَخَافُتٍ،وَتَثَبَّتُوا فِي أَحْوَالِهِمْ بَعْدَ تَهَافُتٍ،غَلَبَ كَيَدَ الْمُشْرِكِينَ بِمَا أَلْزَمَ قَلْبَهُ مِنْ حَقِّ الْيَقِينِ،لَا يَلْتَفِتُ إِلَى كَثْرَتِهِمْ وَتَوَاطِيهِمْ،وَلَا يَكْتَرِثُ لِمُمَانَعَتِهِمْ وَتَعَاطِيهِمْ،اتِّكَالًا عَلَى مَنْ هُوَ مُنْشِئِهُمْ وَكَافِيهِمْ،وَاسْتِنْصَارًا بِمَنْ هُوَ قَاصِمُهُمْ وَشَانِيهِمْ،مُحْتَمِلًا لِمَا احْتَمَلَ الرَّسُولُ،وَمُصْطَبِرًا عَلَى الْمَكَارِهِ لِمَا يُؤْمَلُ مِنَ الْوُصُولِ،وَمُفَارِقًا لِمَنِ اخْتَارَ التَّنْعِيمَ وَالتَّرْفِيهَ،وَمُعَانِقًا لِمَا كُلِّفَ مِنَ التَّشَمُّرِ وَالتَّوْجِيهِ،الْمَخْصُوصُ مِنْ بَيْنِ الصَّحَابَةِ بِالْمُعَارَضَةِ لِلْمُبْطِلِينَ،وَالْمُوافَقَةِ فِي الْأَحْكَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ،السَّكِينَةُ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِهِ،وَالْحَقُّ يُجْرِي الْحِكْمَةَ عَنْ بَيَانِهِ،كَانَ لِلْحَقِّ مَائِلًا،وَبِالْحَقِّ صَائِلًا،وَلِلْأَثْقَالِ حَامِلًا،وَلَمْ يَخْفَ دُونَ اللَّهِ طَائِلًا. ."حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ (الآجريُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ:وَكَانَ أَحَقَّ النَّاسِ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ - رضي الله عنهم - عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رضي الله عنهم - لِمَا جَعَلَ اللَّهُ الْكَرِيمُ فِيهِ مِنَ الْأَحْوَالِ الشَّرِيفَةِ الْكَرِيمَةِ وَالدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رضي الله عنهم - مَوْضِعَ عُمَرَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَعَزَّ بِهِ الْإِسْلَامَ وَعَلِمَ مَوْضِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،عَلِمَ قَدْرَ مَا خَصَّهُ اللَّهُ الْكَرِيمُ بِهِ مِنَ الْفَضَائِلِ فَنَاصَحَ أَبُو بَكْرٍ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ،فَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضي الله عنهم - ،وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ مُسَائِلُهُ عَنْ ذَلِكَ فَمَا أَلِيَ جُهْدًا فِي النَّصِيحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ،وَلَقَدْ عَارَضَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لِأَبِي بَكْرٍ - رضي الله عنهم - ،فَقَالَ لَهُ:أُذَكِّرُكَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ فَإِنَّكَ قَدِ