لقد بلغ اليقين بأبي بكر أن يثق تماما فى أن نصر الله - تعالى - يأتى مع طاعة أمره - سبحانه - وأمر رسوله،مهما بدا غير ذلك؛ لذا وقف بكل قوة فى وجه كبار الصحابة الذين أشاروا عليه بأن يُبقى جيش أسامة بجانبه،يحارب به المرتدين ومانعى الزكاة،وقال:"والذى نفس أبي بكر بيده،لو ظننت أن السباع تخطفنى لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو لم يبق فى القرى غيرى لأنفذته"!
وأراد بعض الصحابة الكبار أن يغير أبو بكر قائدَ هذا الجيش،بأن يضع مكان أسامة رجلا أسن منه،فثار الصديق فى وجوههم ثورة البركان؛ وأبى أن يغير شيئا قضاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - !
وخرج الخليفة العظيم فى وداع جيشه،فما أرفع العظمة حينما تبلغ قمة التواضع دون تكلف أو تصنع،لقد خرج الخليفة فى وداع جيشه ماشيا على قدميه المثقلتين بأكثر من ستين عاما كاملة،فيقسم القائد أسامة وهو فوق فرسه أن ينزل هو ويركب الشيخ الوقور،ولكن أبا بكر أقسم ألا ينزل أسامة وألا يركب هو..
ومضى مع أسامة يغبّر قدميه فى التراب فى سبيل الله - تعالى - ويلقى على مسامع القائد الشاب نصائح لم ينسها فى زحام الأزمات،بألا يقتلوا طفلا ولا امرأة ولا شيخا ولا راهبا تفرغ فى صومعته للعبادة،وألا يحرقوا شجرا ولا يذبحوا بقرة أو شاة إلا لأكل ومنفعة.. مبادئ لم ينسها المسلمون برغم كثرة الأعداء وشراستهم..
وآتت حرب أسامة نتيجة طيبة؛ إذ أمّنت حدود الدولة الإسلامية الفتية من جهة الروم وحلفائهم من القبائل العربية المرتزقة.
مات الرسول - صلى الله عليه وسلم - يوم مات والدين تام كامل،وله السلطان والغلبة على الجزيرة كلها،ولما أراد أهل الردة ومانعو الزكاة انتقاص الإسلام بل هدمه،شعر الصحابة - وعلى رأسهم الخليفة بالمسئولية الكاملة عن حراسة هذا الدين،وكان عنوانهم الذى نطق به أبو بكر هو:"والله لا يُنتقَص الإسلام وأنا حي"!
لم يكن التحدى هينا،ولم تكن المواجهة سهلة،بل كانت خطرا يهدد الإسلام والمسلمين بالمحو،فالقبائل إلا قليلا منها - قد ارتدت،والبلاد والأنحاء فى الجزيرة قد انتفضت ضد