فلما رأت فاطمة شدة البلاء على أبيها أخذت تقول: وا كرب أبتاه.. وا كرب أبتاه.. وا كرب أبتاه..
فأخذ يقول لها: لا كرب على أبيك بعد اليوم..
لا كرب يا فاطمة على أبيك بعد اليوم.
ثم أخذ يشخص ببصره إلى السماء ويرفع بيده السبابة وهو يناجي ربه وهو يقول: اللهم اغفر لي.. اللهم ارحمني.. اللهم تب علي.. اللهم الرفيق الأعلى.. اللهم الرفيق الأعلى.. اللهم الرفيق الأعلى..
ثم سكتت الأنفاس الطاهرة، وتوقف القلب الكبير؛ لأن الله قال:" إنك ميتٌ وإنهم ميتون "
لأن الله قال:" وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون"
كل نفسٍ ذائقة الموت..
فلما فارقت الروح الحياة وسكت ذلك الجسد الطاهر الشريف أخذت فاطمةُ تقول: وا أبتاه.. وا أبتاه.. أجاب رباً دعاه.. وا أبتاه.. أجاب رباً دعاه.. وا أبتاه.. جنة الفردوس مأواه.. وا أبتاه.. إلى جبريل ننعاه..
فلما دُفن، قالت فاطمة لأنس: أطابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله؟!
يقول أنس: فقلت في نفسي والله ما طابت ولكننا ألجمناها إلجاماً..
مات الحبيب لأن الله قال: "إنك ميتٌ وإنهم ميتون"
الكل سيموت إلا ذو العزة والجبروت..
ثم يموت الصدّيق رضي الله عنه وأرضاه خليفة الحبيب.
وفي ساعات احتضاره وكانت ساعات احتضاره بليل..
أخذ يقول لعائشة: في أي يوم نحن؟
قالت: يوم الاثنين.
قال: في أي يوم قُبض فيه النبي صلى الله عليه؟
قالت: يوم الاثنين.
ولقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم مراراً في منامه.
سألوه في ساعات مرضه..
سألوه في أيام مرضه: عرضت نفسك على الطبيب؟
قال: نعم
قالوا: ماذا قال؟
قال: قال إني فعّال لما أُريد..
قال الطبيب: إني فعّال لما أُريد..
فلما اشتدت عليه السكرات، ورأت عائشة سكرات الموت على أبيها..
أخذت تستشهد ببيت تقول فيه:
واعاذلٌ وما يغني الحذارى عن الفتى **** إن حشرجت يوما وضاقت بها الصدر