تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الداعيةَ ليس فناناً يداعبُ العواطف ، ويلعبُ بالمشاعر ، ويتَفقدُ مكامن التأثيرِ في الناس ، وليس شاعراً يخلُبُ الألبابَ ، ويسافرُ مع الخيال ، ويهِيم في أوديةِ الضلال ، وليس فيلسوفاً يقنِّنُ القوانين ، ويضربُ الأقيسةَ ، ويحدِّد المقدِّمات، ويخلُصُ إلى النتائج ، وليس سلطاناً يفرِضُ كلمتَه ، ويؤدبُ رعيتَه ويحشدُ جنودَه ، ويرفعُ بنودَه ، وليس تاجراً يجمعُ الدراهمَ ، ويكنِزُ القناطيرَ المقنطرةَ ، ويرصُدُ الشيكات ، ويضاربُ بالأسهم . الداعيةُ شيءٌ آخر! ..

إنه تابعُ لمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، ابنٌ بارٌّ لرعايته ، تلميذٌ نجيبٌ في مدرستِه ، طالبٌ متفوقٌ في جامعته. يسري حبُّ الله وحبُّ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - في دمه ، يُشِعُّ في قلبه ، يُضيءُ طريقَه ، يملأُ وجدانَه ، يُلهِبُ ضميرَه.

الحبُّ ليس روايةٌ شرقيةً بأريجها يتزوج الأبطال

لكنه الإبحارُ دون سفينة ومرادنا أن المحال محال

الداعية ليس له إجازةٌ ، ولا انتدابٌ ، ولا مخصّصَاتٌ ، ولا عادات. الداعيةُ ليس له حفلُ مولد ، ولا مهرجاناتُ تخرج ، ولا حفلُ وداعٍ ، ولا مناسبةُ استقبال ، بل هو مع الأنبياء ، تلقاه على الرصيفِ ، وفي الدُّكانِ ، ومع أهلِ الحِرفَ ، مع النجارِ والخبازِ والنسَّاج ، والبنَّاء ، مع الناس باختلاف أذواقِهم وطبقاتِهم وألوانِهم وأجناسِهم ، داعياً للملِك والمملوك ، وللأميرِ والوزيرِ ، وللكبيرِ والصغيرِ ، للذكر والأنثى ، للأبيض والأسود.

الداعية باع نفسَه من الله ، فلا يُطالب ، ولا يُضارب ، لا يُعاتب ، ولا يُحاسب .. فاتورةُ تعبِه مدفوعةُ في الآخرة (ولسوف يعطيك ربُّك فترضى) ، شيكُ أُجْرتِه مصروفُ من بنك (يريدون وجهه) ، وسندُ أموالهِ موقَّعُ عليه (إنك تعلم ما نريد).

بعنا النفوسَ فلا خيار ببيعنا أعْظمْ بقومِ بايعوا المختارا

فأعاضَنَا ثمَناً أجلَّ من المنى جناتِ عدنٍ تُتحِفُ الأبرارا

المحاضرات المفرغة · الصفحة ٧٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المحاضرات المفرغةص ٧٣٩