أعطيت من فطنة وحيلة في جمع القوت وادخاره ، وحفظه ودفع الآفة عنه ، ترى عبراً وآيات باهرات تنطق بقدرة رب الأرض والسماوات وتقول : (أإله مع الله قليلاً ما تذكرون) ، انظر إليها تخرج من أسرابها طالبة أقواتها ، فإذا ظفرت بها شرعت في نقلها على فرقتين اثنتين ، فرقة تحملها إلى بيوتها ذاهبة ، وأخرى خارجة من بيوتها إلى القوت ، لا تخالط فرقة أخرى كخيطين أو جماعتين من الناس ، الذاهبون في طريق والراجعون في أخرى في تناسق عجيب ، ثم إذا ثقل عليها حمل شيء ، استغاثت بأخواتها فتعاونت معها على حملها ، ثم خلوا بينها وبينه ، وبلا أجرة ، تنقل الحب إلى مساكنها ثم تكسره اثنتين أو أربعة ، لئلا ينبت إذا أصابه بلل ، وإذا خافت عليه العفن ، أخرجته إلى الشمس حتى يجف ، ثم ترده إلى بيوتها ، ولعلك قد مررت يوماً عليها ، وعلى أبواب مساكنها حب مكسر ، ثم تعود من قريب فلا ترى منه حبة واحدة ، والنمل مع ذلك يعتني بالزراعة وفلاحة الأرض ، فقد شاهد أحد العلماء في إحدى الغابات قطعة من الأرض قد نما فيها أرز قصير من نوع بري مساحة القطعة خمسة أقدام في ثلاثة ، ويترائى للناظر إلى هذه البقعة من الأرض أن أحداً لا بد أن يعتني بها ، الطينة مشققة ، والأعشاب مستأصلة والغريب أنه ليس هناك مناطق أرز حول ذلك المكان ، ولاحظ ذلك العالم أن طوائفاً من النمل تأتي إلى هذه المزرعة الصغيرة وتذهب ، فانبطح على الأرض ذات يوم ليراقب ماذا يصنع النمل ، فإذا به يفاجأ أن النمل هو صاحب المزرعة ، وإنه اتخذ الزراعة مهنة تشغل كل وقته فبعضه يشق الأرض ويحرث ، والبعض يزيل الأعشاب الضارة وينظف ، وطال الأرز واستوى ونضج ، وبدأ موسم الحصاد ، وهذا لا زال بمناظيره يراقب ، فانظر ، يشاهد صفاً من النمل وهو في وقت الحصاد وهو متسلقاً شجر الأرز ، إلى أن يصل إلى الحبوب فتنزع كل نملة حبة من تلك الحبوب ، ثم تهبط سريعاً إلى الأرض ، ثم تذهب بها إلى مخازن تحت الأرض لتخزنها
المحاضرات المفرغة · الصفحة ٢٠١٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المحاضرات المفرغةص ٢٠١٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي