ولقد كان أيوب السختياني ربما حدث بالحديث، فيرق فيتمخط، ويقول: ما أشد الزكام! يظهر أنه مزكوم، لإخفاء البكاء، رجاء أن يكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله . وقام محمد بن المنكدر ذات ليلة فبكى، ثم اجتمع عليه أهله، ليستعلموا عن سبب بكائه، فاستعجم لسانه، فدعوا أبا حازم، فلما دخل هدأ بعض الشيء، فسأله عن سبب بكائه فقال: تلوت قول الله وَبَدَا لَهُمْ مّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47]. فبكى أبو حازم، وعاد محمد بن المنكدر إلى البكاء فقالوا: أتينا بك لتخفف عنه فزدته بكاء.
روى النسائي وأحمد من حديث عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله: ما النجاة ما النجاة؟ قال: ((أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك))[2].
فاتقوا الله ـ عباد الله ـ واعلموا أنه لابد من الخوف والبكاء، إما في زاوية التعبد والطاعة، أو في هاوية الطرد والإبعاد، فإما أن تحرق قلبك ـ أيها المسلم ـ بنار الدمع على التقصير، وإلا فاعلم أن نار جهنم أشد حرا فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [التوبة:82]. فانظروا عباد الله إلى البكائين في الخلوات، قد نزلوا على شواطئ أنهار دموعهم، فلو سرتم عن هواكم خطوات لاحت لكم خيامهم ولسمعتم بكاءهم ونشيجهم، ولسان حالهم يقول:
نزف البكاءُ دموعَ عينك فَاسْتَعِرْ عيناً لغيرك دمعُها مدرار
من ذا يعيرك عينَه تبكي بها أرأيت عينا للدموع تُعار؟
---
[1] صحيح البخاري ح (1429)، صحيح مسلم ح (1033).
[2] صحيح لم أجده في سنن النسائي، وهو في المسند (4/148) وأخرجه أيضًا الترمذي ح (2406).