تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذال فإن القرآن إنما يبين حرمة الأم والأخت من الرضاعة، فيجب أن تكون حرمة البنت من الرضاعة مخالفة للقرآن بموجب هذا الاستدلال. والقرآن إنما ينهي عن الجمع بين الأختين، فمن قال بحرمة الجمع بين العمة وبنت أخيها أو الخالة وبنت أختها يجب أن نحكم عليه بمخالفة القرآن. والقرآن إنما يحرم على المرء ربيبته إذا كانت قد تربت في حجره، فيجب أن تكون حرمتها المطلقة مخالفة للقرآن. والقرآن إنما يأذن في الرِّهَان إذا كان الرجل على سفر ولم يجد كاتبًا، فيجب أن يكون جواز الرهان في الْحَضَر ومع وجود الكاتب مخالفة للقرآن. والقرآن يقول بكلمات عامة ( وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ) فيجب أن يحكم بالحرمة على البيع والشراء الذي يتم في أسواقنا ليل ونهار بغير الشهود لكونه يخالف القرآن.

فهذه بعض أمثلة إذا سرحت فيها النظر تبين لك الخطأ في استدلال الذين يقولون: إن حكم الرجم للزاني المحصن مخالف للقرآن (102). والحق أن منصب الرسول في نظام الشريعة -الذي لا مجال فيه للريب والمكابرة- هو أن يبلغنا أحكام الله –تعالى- ثم يبين لنا مقتضياتها ومقاصدها والطرق للعمل بها، والمعاملات التي تنفذ فيها، والمعاملات التي لها أحكام أخرى. وإنكار هذا المنصب ليس بمخالفة لأصول الدين فحسب، بل هو مستلزم ـ كذلك ـ لمصاعب ومفاسد لا تكاد تحصى. (103)

لا مساغ لتقسيم الجهاد إلى الهجومي والدفاعي

إن ما اصطلحوا عليه اليوم من تقسيم القتال الهجومي والدفاعي لا يصح إطلاقه على الجهاد الإسلامي البَتَّه، وإنما يصدق هذا المصطلح على الحروب القومية والوطنية فقط؛ لأن هاتين الكلمتين المصطلح عليهما لا ينطق بهما، وما جرى استعمالهما إلا بالنسبة إلى قُطْرٍ مخصوص أو أمة بعينها. وأما إذا قام حزب عالمي مستند إلى فكرة انقلابية شاملة، لا تفرق بين أمة دون أمة، ولا تخص قُطْرًا دون قطر، يدعو جميع الأمم والشعوب على اختلاف أجناسها ولغاتها إلى فكرته ومنهاجه، مفتوحة أبوابه لكل مَنْ يريد المشاركة في بث تلك الدعوة، ونشر تلك الفكرة، ولا يسعى إلا وراء القضاء على الحكومات الجائزة المناقضة لمبادئ الحق الخالدة، وإقامة حكومة صالحة مؤسس بنيانُهَا على قواعد الحق والعدل التي يؤمن بها ويدعو إليها، أما إذا كان الأمر كذلك فلا مجال في دائرته البتة لِمَا اصطلحوا عليه من نوعي القتال الهجومي والدفاعي.

وكذلك إذا نظرنا في المسألة -بصرف النظر عن هذا المصطلح الشائع- تبين لنا أنه لا ينطبق هذا التفسير ـ إلى الهجومي والدفاعي ـ على الجهاد الإسلامي بحال من الأحوال؛ فإن الجهاد الإسلامي إذا أردت الحقيقة هجومي ودفاعي معًا؛ هجومي لأن الحزب الإسلامي يضاد ويعارض الممالك القائمة على المبادئ المناقضة للإسلام، ويريد قطع دابرها ولا يتحرج في استخدام القوى الحربية لذلك. وأما كونه دفاعيًّا، فلأنه مضطر إلى تشييد بنيان المملكة وتوطيد دعائمها؛ حتى يتسنى له العمل وفق برنامجه وخطته المرسومة.

وغير خافٍ عليك أن الإسلام حزب، فليس من هذه الوجهة دار محدودة بالحدود الجغرافية يذود عنها ويدافع عنها، وإنما يملك مبادئ وأصولا يَذُبُّ عنها ويستميت في الدفاع عنها. وكذلك لا يحمل على دار الحزب الذي يعارضه ويناقضه، وإنما يحمل ويصول على المبادئ يتمسك بها، ولا يغِيبنَّ عن بَالِك أنه لا يريد بهذه الحملة أن يُكْره مَنْ يخالفه في الفكرة على ترك عقيدته، والإيمان بمبادئ الإسلام، وإنما يريد الحزب الإسلامي أن ينتزع زمام الأمر ممن يؤمنون بالمبادئ والنظم الباطلة، حتى يستتب الأمر لحملة لواء الحق، ولا تكون فتنة ويكون الدين لله. (104)

( المرجع : مفهوم تجديد الدين ، بسطامي محمد سعيد ، ص 259-280).

الشبهة(5) : هل تتغير الأحكام بتغير الزمان ؟

يقوم مبدأ تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية على مبدأ التمييز بين بشرية الرسول ونبوته, ومن القضايا التي تلتقي فيها العصرانية في الشرق والغرب يهوديها ونصرانيها ومسلميها في هذه القضية، التي يعبر عنها أحيانًا بمبدأ التمييز بين ما هو إلهي Dinvine وبشريHuman في الدين. ولعل لليهود والنصارى عذرهم في المناداة بهذا المبدأ؛ لأن الحاخامات والباباوات عندهم زعمت أن كل ما يصدر منها هو وحي من عند الله، وادعت هذه الطبقة لنفسها العصمة من الخطأ في آرائها وأقوالها، بل وبلغ التطرف نهايته في المسيحية في ادعاء ألوهيته المسيح، ولهذا كانت المطالبة بفصل ما هو إلهي ومصدره الإله، عما هو بشري ومصدره البشر، وتأكيد بشرية المسيح مطالبة لها مسوغاتها ودوافعها في اليهودية والمسيحية (105)، إذ قصد من ذلك إزاحة القدسية عن الإضافات البشرية للكتب المقدسة، وإزاحة القدسية عن طبقة رجال الدين، واعتبارهم في منزلة عادية كسائر البشر، واعتبار آرائهم وتفسيراتهم للدين آراء بشرية تخضع للنقد وتقبل الخطأ والصواب.

وقد اتخذت فكرة الفصل بين الجزء الإلهي في الدين والجزء البشري مبدأين في الإسلام على أيدي العصرانيين:

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٥٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٥٤٤