الحكمة من التعدُّد في نظر الإسْلام
لاشك أن الإسلام حين شرع التعدد ، كان ذلك لحكمة سامية ، ومصلحة عامة ، وضرورات اجتماعية وشخصية ، وسبق أن ذكرنا قبل قليل طرفاً من هذه الضرورات والحكم التي جاء ذكرها على ألسنة العلماء والمفكرين ، والتي دفعتهم إلى أن يثنوا على نظام التعدد ، وينادوا بأحقيته وضرورته لتخليص المجتمعات البشرية من المشكلات الاجتماعية ، والمفاسد الخلقية.
وتوضيحاً للبحث نحصر الحكمة من نظام تعدد في الأمور التالية:
أ - الفائدة الاجتماعية
ب - المصلحة الشخصية
ت - الحكمة الخلقية
أما الفائدة الاجتماعية فتظهر في حالتين لايُنْكِر أحدٌ وقوعها:
1- عند زيادة النساء على الرجال ، كما هو الشأن في كثير من البلدان كشمال أوربا ، فإن النساء حتى في غير اوقات الحروب تفوق الرجال بكثير ، وقد دلت الإحصائيات في (فنلندا) أنه من بين كل أربعة أطفال ألا ثلاثة يولدون يكون واحد منهم ذكراً ، والباقون إناثاً ، ففي هذه الحالة يكون التعدد أمراً واجباً.
2- عند قلة الرجال عن النساء قلة بالغة نتيجة الحروب الطاحنة أو الكوارث العامة ، وقد دخلت أوربا حربين عالميتين خلال ربع قرن ، فهلك فيها ملايين الرجال ، وأصبحت جماهير غفيرة من النساء – مابين أبكار وما بين متزوجات – فقد فقدن عائلهن وأصبحن بلا زواج ، وسبق أن ذكرنا أن قامت بعض بلاد أوربا – ولاسيما ألمانيا- جمعيات نسائية واجتماعية تطالب بالسماح بتعدد الزوجات ، أو بتعبير آخر أخف واقعاً في أسماع الغربيين وهو: (إلزام الرجل بأن يتكفل امرأة أخرى غير زوجته).
وضرورات الحرب ونقصان الرجال فيها ، لاتدع مجالاً للمكابرة في أن الطريق الوحيد لتلافي الخسارة البالغة بالرجال هو السماح بتعدد الزوجات.
رد على اعتراض: ورب سائل يقول: في حالة زيادة الرجال على النساء لماذا لا يباح للمرأة تعدد الأزواج؟
أقول في الرد على هذا الاعتراض: إن المساواة بين الرجل والمرأة في أمر التعدد مستحيلة طبيعةً وخِلقةً وواقعاً ،ذلك لأن المرأة في طبيعتها لاتحمل إلا في وقت واحد ، ومرة واحدة في السنة كلها ، أما الرجل فغير ذلك؛ فمن الممكن أن يكون للرجل أولاد متعددون من نساء متعددات ، ولكن المرأة لايمكن أن يكون لها مولود واحد من أكثر من رجل واحد ، وأيضاً تعدد الأزواج بالنسبة إلى المرأة يضيع نسبة ولدها إلى شخص معين ، وليس الأمر كذلك بالنسبة غلى الرجل في تعدد زوجاته.
وشيء آخر وهو أن للرجل حق رئاسة الأسرة في جميع شرائع العالم ، فإذا أبحنا للزوجة تعدد الأزواج فلمن تكون رئاسة الأسرة ؟ أتخضع لهم جميعاً ؟ وهذا غير ممكن لتفاوت رغباتهم ، أم تخص واحداً دون الآخر ؟ وهذا مايسخط الآخرين.
وهناك أمور تتعلق بنسبة الولد إلى أحد الأزواج ، وأمور تتعلق بالإتصال الجنسي ، لاتخفى على من كان عنده أدنى إدراك أو بصيرة : من إرهاق للمرأة وإضرار بها ، ومن وقوع في المشاكل العائلية ، والأمراض الجسمية والنفسية ... إلى غير ذلك من الأضرار البالغة ، والعواقب الوخيمة .
إذن فتعدد الأزواج بالنسبة للمرأة مستقبح عقلاً ، وحرام شرعاً ، ومستحيل طبيعة وواقعاً ، فلا يقول به إلا من كان إباحي النزعة ، مدنس السمعة ، فاسد الخلق ، عديم الغيرة ، ملوث الشرف.
أمَّا المصلحة الشخصية ، فإنها تعود إلى مصحلة الشخص بالذات ، وهي كثيرة نجتزئ منها بأهمها:
1- أن تكون الزوجة عقيمة لاتلد ، والزوج يحب انجاب الأولاد والذرية ، ومثل هذا ليس أمامه إلا أحد أمرين: إما أن يطلق زوجته العقيم ، أو أن يتزوج عليها ، ولا شك في أن الزواج عليها أكرم للمرأة ، وأصلح لها ، والمرأة العاقلة تفضل التعدد على الطلاق ، لكون الطلاق ضياعاً وتشرداً.
2- أن يصاب الزوجة بمرض مزمن أو معدٍ أو منفر ، بحيث لايستطيع الزوج أن يعاضرها معاشرة الأزواج ، فالزوج هنا بين حالتين: إما أن يطلقها ، وإما أن يتزوج عليها ويبقيها في عصمته وتحت رعايته ، ولايشك أحد في أن الحالة الثانية أكرم وأنبل ، وأضمن لسعادة الزوجة المريضة وزوجها على السواء.
3- أن يكون الرجل بحكم عمله كثير الاسفار ، وتكون إقامته في غير بلدته تستغرق في بعض الأحيان شهوراً ، ويتعذر عليه نقل زوجته وأولاده كلما سافر ، وهنا يجد نفسه كرجل بين حالتين: إما أن يشبع ميلة الجنسي عن طريق غير مشروع وهذا هو الزنى(1) ، وإما أن يتزوج أخرى ، ولاشك أن الزواج بأخرى هو من مصلحة الدين والأخلاق والمجتمع.
4- أن يكون عند الرجل من القوة الجنسية ما لايكتفي معها بزوجته ، إما لشيخوختها ، أو لضعفها ، أو لكثرة الأيام التي لاتصلح فيها المعاشرة الجنسية – وهي أيام الحيض والحمل والنفاس والمرض وما أشبهها – في هذه الحالة إما أن يكون إشباع غريزته بالمعاشرة المحرمة ، وإما أن يكون عن طريق الزواج المشروع ، ولاشك أن مبادئ الأخلاق ، وأحكام الشريعة تختار الزواج المشروع على المعاشرة المحرمة.