إن ما يطلق عليه " غريب القرآن " فى بعض المؤلفات التراثية ومنها كتب علوم القرآن ، وما تناوله مفسرو القرآن الكريم فى تفاسيرهم ، هو غريب نسبى لا مطلق ، غريب نسبى باعتبار أنه مستعار من لغات أخرى غير اللغة العربية ، أو من لهجات عربية غير لهجة قريش التي بها نزل القرآن وغريب نسبى باعتبار البيئات التي دخلها الإسلام ، وأبناؤها دخلاء على اللغة العربية ، لأن لهم لغاتٍ يتحدثون بها قبل دخولهم فى الإسلام ، وظلت تلك اللغات سائدة فيهم بعد دخولهم فى الإسلام وغريب نسبى باعتبار الأزمان ، حتى فى البيئات العربية ، لأن الأجيال المتأخرة زمناً ضعفت صلتهم باللغة العربية الفصحى مفردات وتراكيب. وكل هذه الطوائف كانت ، وما تزال ، فى أمس الحاجة إلى ما يعينهم على فهم القرآن ، وتذوق معانيه ، والمدخل الرئيس لتذوق معاني القرآن هو فهم معاني مفرداته ، وبعض أساليبه.
والغريب النسبي بكل الاعتبارات المتقدمة غريب فصيح سائغ ، وليس غريباً عديم المعنى ، أو لا وجود له فى معاجم اللغة ومصادرها ، وهذا موضع إجماع بين علماء اللغة والبيان ، فى كل عصر ومصر. ولا وزن لقول من يزعم غير هذا من الكارهين لما أنزل الله على خاتم أنبيائه ورسله.
مسائل ابن الأزرق
بقى أمر مهم ، له كبير صلة بموضوع " الغريب " فى القرآن ذلك الأمر هو ما عرف فى كتب الأقدمين بـ " مسائل ابن الأزرق " ونوجز القول عنها هنا إيجازاً يكشف عن دورها فى الانتصار للحق ، فى مواجهة مثيري هذه الشبهات ومسائل ابن الأزرق مسطورة فى كثير من كتب التراث مثل ابن الأنباري فى كتابه " الوقف " والطبراني فى كتابه " المعجم الكبير " والمبرد فى كتابه " الكامل ". وجلال الدين السيوطي فى كتابه " الإتقان فى علوم القرآن " وغيرهم.
ولهذه المسائل قصة إيجازها: أن عبد الله بن عباس كان جالساً بجوار الكعبة يفسر القرآن الكريم ، فأبصره رجلان هما: نافع بن الأزرق ، ونجدة بن عويمر ، فقال نافع لنجدة " قم بنا إلى هذا الذي يجترئ على القرآن ويفسره بما لا علم له به. فقاما إليه فقالا له:
إنَّا نريد أن نسألك عن أشياء فى كتاب الله ، فتفسرها لنا ، وتأتينا بما يصادقه من كلام العرب. فإن الله أنزل القرآن بلسان عربي مبين.
فقال ابن عباس: سلاني عما بدا لكما. ثم أخذا يسألانه وهو يجيب بلا توقف ، مستشهداً فى إجاباته على كل كلمة ، " قرآنية " سألاه عنها بما يحفظه من الشعر العربي المأثور عن شعراء الجاهلية ، ليبين للسائلين أن القرآن نزل بلسان عربي مبين.
وكان الإمام جلال الدين السيوطى قد جمع هذه المسائل وذكر منها مائة وثمانٍ وثمانين كلمة ، وقد حرص على ذكر إجابات ابن عباس عليها رضي الله عنه ، وقال: إنه أهمل نحو أربع عشرة كلمة من مجموع ما سئل عنه ابن عباس (2).
وها نحن أولاء نورد نماذج منها ، قبل التعليق عليها ، ولماذا أشرنا إليها فى مواجهة هذه الشبهة التي تزعم أن ألفاظ الكتاب العزيز " غريبة " وغير مفهومة.
النموذج الأول: " عزين "
قال نافع بن الأزرق لابن عباس:
أخبرني عن قوله تعالى: (عن اليمين وعن الشمال عزين) (3).
قال ابن عباس: عزين: الحلق من الرفاق. فسأله نافع: وهل تعرف العرب ذلك ؟
فقال ابن عباس: نعم ، أما سمعت قول عبيد بن الأبرص:
فجاءوا يُهرعون إليه حتى يكونوا حول منسره عزينا
يعنى جماعات يلتفون حول الرسول(، وهو مشتق من الاعتزاء ، أي ينضم بعضهم إلى بعض ، قال الراغب فى المفردات: العزين: الجماعة المنتسب بعضها إلى بعض (4).
النموذج الثاني: " الوسيلة "
قال نافع: أخبرنى عن قوله تعالى: (وابتغوا إليه الوسيلة) (5). قال ابن عباس: الوسيلة: الحاجة ، قال نافع: وهل تعرف العرب ذلك ؟
قال ابن عباس: نعم ، أما سمعت قول عنترة:
إن الرجال لهم إليك وسيلة
أن يأخذوك تكحلي وتخضبي
يعنى: اطلبوا من الله حاجاتكم. واستعمال الوسيلة فى معنى الحاجة كما فسرها ابن عباس فيها إلماح أن طريق قضاء الحوائج يكون إلى الله ؛ لأن معنى الوسيلة: الطريق الموصل إلى الغايات.
النموذج الثالث: " شرعةً ومنهاجاً "
وسأله نافع عن الشرعة والمنهاج فى قوله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً ) (6). فقال ابن عباس: الشرعة: الدين ، والمنهاج: الطريق ، واستشهد بقول أبى سفيان الحارث بن عبد المطلب:
لقد نطق المأمون بالصدق والهدى
وبين للإسلام ديناً ومنهجاً.
النموذج الرابع: " ريشاً "
وسأله نافع عن كلمة " ريشاً " فى قوله تعالى: (يا بنى آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يوارى سوءاتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير.. ) (7).
ففسره ابن عباس بالمال ، واستشهد بقول الشاعر:
فريشي بخير طالما قد بريتني
وخير الموالى من يريش ولا يبرى
النموذج الخامس: " كَبد "
وسأله نافع عن كلمة " كَبد " فى قوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان فى كبد ) (8).
فقال ابن عباس: فى اعتدال واستقامة. ثم استشهد بقول لَبِيد بن ربيعة:
يا عين هلا بكيت أربد إذ قمنا وقام الخصوم فى كبد