تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأمر الأول : أن الشيوعية قائمة على فلسفة مادية بحتة . لا تؤمن إلا بما تراه الحواس فقط . وكل مالا تدركه الحواس فهو خرافة لا وجود لها ، أو على الأقل شيء ساقط من الحساب . يقول انجلز " إن حقيقة العالم تنحصر في ماديته " ويقول الماديون : " إن العقل ما هو إلا مادة تعكس الظواهر الخارجية " ويقولون كذلك إن ما يسمونه الروح " ليست جوهراً مستقلاً وإنما هي من نتاج المادة " . وهكذا نعيش مع الشيوعية في جو مادي خالص يسخر بالروحانيات ويعتبرها حقائق غير علمية ! والعقيدة الإسلامية تأبى أن تنحصر في هذا المحيط الضيق الذي يهبط بكرامة الإنسان ، و يحوله من كائن رفيع يسير على الأرض بجسمه وهو يتطلع إلى السماء بروحه وفكره ، إلى مخلوق مادي حيواني كل همه إشباع " المطالب الأساسية " التي حددها كارل ماركس بالغذاء والمسكن والإشباع الجنسي ! ولا يقولنّ أحد : إننا غير مقيدين بهذه الفكرة المادية ، ولا ملزمين بها إذا أخذنا الاقتصاد الشيوعي ، إذ ستظل لنا عقائدنا ، وإلهنا ورسلنا ، وروحانياتنا ، والاقتصاد كيان منفصل عن كل هؤلاء . لا يقولن ذلك أحد ، لأن الشيوعيين أنفسهم هم الذين قرروا استحالة ، إذا ربطوا ربطاً وثيقاً بين النظام الاقتصادي وبين العقائد والأفكار والفلسفات المصاحبة له ، على أساس أن النظام الاقتصادي هو الذي ينشىء العقائد والأفكار والفلسفات ، وإذن فلا يمكن لنظام اقتصادي قائم على فلسفة مادية صريحة ( كما يقرر إنجلز وماركس ) أن ينشىء فلسفة روحية أو ينسجم مع فلسفة روحية .

والشيوعيون – مثلاً - يؤمنون بالمادية الجدلية ، وبأن صراع المتناقضات هو وحده العنصر الكامن وراء التطور الاقتصادي والبشري ، من الشيوعية الأولى إلى الرق إلى الإقطاع إلى الرأسمالية إلى الشيوعية الثانية والأخيرة ، ويقرنون قيام الشيوعية الاقتصادية بصحة هذا المنطق الجدلي ، ويربطون ربطاً " علمياً " بين هذا وذاك . وهذه المادية الجدلية لا مكان فيها لتدخل الله في خط سير البشرية ، ولا مكان للرسل و رسالاتهم . لأن هذه الرسالات - في وهمهم - لا يكن أن تجيء سابقة للتطور الاقتصادي ولا منشئة له ، وإنما هي تجيء فقط في مكانها المرسوم من هذا التطور ، وبهذا تفقد قيمتها التوجيهية من وجهة النظر الإسلامية . وفضلاً عن ذلك فهذه المادية الجدلية التي تحصر أسباب كل التطورات البشرية في تغير وسائل الإنتاج تعجز عن تفسير ظهور الإسلام ذاته . فأي شيء كان قد تغيّر في وسائل الإنتاج في الجزيرة العربية أو في العالم أجمع قبل الإسلام ، فكان من نتيجته بعثة محمد صلى الله عليه وسلم بنظامه الجديد ؟ !

كيف إذن يمكن التوفيق بين هذه النظرة وتلك ؟ وكيف لا تتأثر عقائد المسلمين الذين يؤمنون برعاية الله لخلقه ، وإرشاده لهم على يد رسله ، وبأن الإسلام لم يكن خاضعاً للضرورات الاقتصادية .. كيف لا تتأثر عقائدهم حين نأخذ بنظام اقتصادي نقول في كل مرحلة من مراحل تطوره إنه يتطور حسب صراع المتناقضات الذي لا مجال فيه لله ، ولا محرك له غير الضرورات الاقتصادية ؟ !

والأمر الثاني : أن الإنسان في عرف الفلسفة الشيوعية كائن سلبي لا إرادة له إزاء قوة المادة وقوة الاقتصاد . يقول كارل ماركس : " في الإنتاج الاجتماعي الذي يزاوله الناس تراهم يقيمون علاقات محدودة لا غنى عنها . وهي مستقلة عن إرادتهم . ليس شعور الناس هو الذي يعين وجودهم ، ولكن وجودهم هو الذي يعين مشاعرهم " .

والإنسان في عرف الإسلام كائن إيجابي له إرادة - خاضعة بطبيعة الحال لإرادة الله - يقول القرآن : " وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه ( ) " فيقرر أن الإنسان هو القوة العليا في الأرض ، وأن القوى المادية والاقتصادية مسخرة لإرادته ، وليس هو المسخر لإرادتها . ومصداق ذلك هو الإسلام ذاته . فهو لا يسير حسب التطور الحتمي الذي يرسمه مبدأ المادية الجدلية . وحين كان الناس مسلمين - في صدر الإسلام - لم يشعروا أن التطور الاقتصادي قوة جبرية تخضعهم لها وهي " مستقلة عن إرادتهم " كما يقول ماركس . وإنما أحسوا أنهم هم يصنعون الاقتصاد كما وجههم الله على يد رسوله ، وهم ينشئون العلاقات الاجتماعية على هدي الإسلام ، فيحررون الرقيق بغير موجب اقتصادي يحتم عليهم تحريره ويحولون دون الإقطاع مع أنه ظل قائماً مئات السنين في أوربا وفي غير العالم الإسلامي .

وحين نأخذ الاقتصاد الشيوعي ، فسنأخذ معه – حتماً - تلك الفلسفة التي تجعل الإنسان مترقباً للتطور الاقتصادي يأخذ سبيله " مستقلاً عن إرادة الناس " ولا يسعى ولا يفكر في تغييره بإرادته - أو بإرادة الإسلام - لأن هذا مستحيل !

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٤٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٤٦٣