وتتحدثون عن واجب الدولة في إيجاد عمل لكل مواطن . فما بال الألوف والملايين من المتعطلين الذين يعيشون على التسول حيناً ، وعلى البؤس والحرمان أبداً ؟
وتتحدثون عن حقوق المرأة في الإسلام فمتى نالت هذه الحقوق بالفعل ، ومتى مكنتها التقاليد الظالمة أو الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية من استعمال هذه الحقوق ؟
وتتحدثون عن التربية الإسلامية التي تهذب النفوس وتودع فيها تقوى الله ، فتقوم العلاقات بين الحكام والمحكومين وبين طوائف الأمة المختلفة على التعاون في سبيل الخير ، فمتى حدث ذلك إلا في تلك الفترات النادرة التي تتمثلون بها ، ومتى منعت تقوى الله من أكل حقوق الفقراء والجور عليهم واستئثار الحكام بالمنافع وكبت الحريات وإذلال الشعوب ؟
إنكم تحدثوننا عن أحلام لا رصيد لها من الواقع ، إلا هذا الرصيد الضئيل الذي لا يؤلف نظاماً واضح المعالم ، وإنما هو أمثلة شخصية لم تتكرر في التاريخ .
* * *
تلك دعوى الشيوعيين وأشباههم ، بل هي شبهة قوية في نفوس المسلمين أنفسهم الذين لم يدرسوا التاريخ الإسلامي إلا على أيدي المستعمرين .
وهنا يجب أن نفرق تفريقاً حاسماً بين أمرين : مثالية النظام ذاته ، ومثالية التطبيق .
فهل الإسلام بطبيعته نظام مثالي لا يقبل التطبيق العملي في واقع الأرض ، لاعتماده على عناصر خيالية أو مستحيلة . أم هو نظام عملية ولكنه لم يطبق بصورته الكاملة على مدار الأجيال ؟
والفرق بين الوضعين كبير ..
فحين يكون نظاماً مثالياً في ذاته ، فلا أمل في تطبيقه أبداً مهما تبدلت الأحوال والظروف .
وإذا كان نظاماً واقعياً ، ولكن ظروفاً بعينها قد حالت دون تطبيقه . فالأمر مختلف ، والأمل في التطبيق قائم متى زالت هذه الظروف .
فأي الوضعين ينطبق على الإسلام ؟
نحسب أن الأمر من الوضوح بحيث لا يختلف في أمره أحد . فمجرد تطبيقه مرة واحدة في تاريخ البشرية يثبت بدليل قاطع أنه نظام قابل للتطبيق ، وأنه لا يعتمد على عناصر خيالية ولا مستحيلة . أم يريد التقدميون أن يقولوا إن الناس في صدر الإسلام قد ارتفعوا إلى مستوى تعجز البشرية عن العودة إليه ؟ إن ذلك على أي حال مخالف لرأيهم في مسألة التطور الذي يدفع بالبشرية دائماً إلى الأمام !
أما لماذا لم يتكرر عهد الخلفاء الراشدين مرة أُخرى إلا في فترات خاطفة من التاريخ كعهد عمر بن عبد العزيز مثلاً فسؤال وجيه ، ورده موجود في ملابسات التاريخ ، سواء منها ما كان محلياً في الرقعة الإسلامية أو عاماً في حياة البشرية .
فيجب أن نجعل بالنا إلى أمرين :
الأول : إن القفزة التي قفزها الإسلام بالبشرية من وهدتها التي كانت فيها ، إلى مستواها الرفيع الذي تحقق في عهد الخلفاء الراشدين ، لم تكن قفزة عادية . فهي معجزة من معجزات الإسلام حققها في واقع الأرض ، ولكنها كانت في حاجة إلى إعداد طويل وتربية شخصية للأبطال الذين حققوا المعجزة في أشخاصهم وأعمالهم جميعاً .
ولكن الإسلام انتشر بسرعة خاطفة لا مثيل لها من قبل ولا من بعد في كل حركات التاريخ . وتلك معجزة أُخرى من معجزات الإسلام لا تفسرها كل التفسيرات المادية والاقتصادية التي يفسر بها الماديون والشيوعيون تاريخ البشرية . ولكن هذه السرعة ذاتها قد جلبت إلى الإسلام أقواماً متعددين ليسوا كلهم قد تشربوا روح الإسلام ، ولا فهموا حقيقة نظمه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، ولم يكن في الوسع تربيتهم جميعاً بالصورة التي تربى عليها المسلمون الأوائل في الجزيرة العربية . وكان من جراء دخول هذه الأقوام في الإسلام وحسبانها من تعداد المسلمين ، أن اتسعت رقعة الإسلام ولكن مبادئه لم تتغلغل في نفوس الناس فسهل الانحراف عنها ، واللعب بها على أيدي الحكام الظالمين من بني أمية والعباسيين والأتراك والمماليك وغيرهم ممن لم يستوفوا خصائص الإسلام .
والأمر الثاني : أن هذه القفزة الإسلامية لم تكن طبيعية بالنسبة " للتطور " البشري ، فقد رفعت الناس طفرة من الرق إلى صورة من العدل الاجتماعي لا تزال تعتبر خطوة تقدمية بالنسبة لكل النظم التي جربتها البشرية ، كما رفعتهم من حضيضهم النفسي الغارق في شهوات الأرض إلى قمة تزهى بها الإنسانية في جميع عصورها .