ليس الكبت هو الامتناع عن إتيان العمل الغريزي كما يخيل للكثيرين . إنما ينشأ الكبت من استقذار الدافع الغريزي في ذاته ، وعدم اعتراف الإنسان بينه وبين نفسه أن هذا الدافع يجوز أن يخطر في باله أو يشغل تفكيره . والكبت بهذا المعنى مسألة لا شعورية . وقد لا يعالجها إتيان العمل الغريزي . فالذي يأتي هذا العمل وفي شعوره أنه يرتكب قذارة لا تليق به ، شخص يعاني الكبت حتى ولو " ارتكب " هذا العمل عشرين مرة كل يوم . لأن الصراع سيقوم في داخل نفسه كل مرة بين ما عمله وما كان يجب أن يعمله . وهذا الشد والجذب في الشعور وفي اللاشعور هو الذي ينشئ العقد والاضطرابات النفسية .
ونحن لا نأتي بهذا التفسير لكلمة الكبت من عندنا ، بل هو تفسير فرويد نفسه الذي أنفق حياته العلمية كلها في هذه المباحث ، وفي التنديد بالدين الذي يكبت نشاط البشرية . فهو يقول في ص82 من كتاب Three Contributions to the Sexual Theory " " : " ويجب أن نفرق تفريقاً حاسماً بين هذا " الكبت الشعوري " وبين عدم الإتيان بالعمل الغريزي ، فهذا مجرد " تعليق للعمل " .
والآن وقد عرفنا أن الكبت هو استقذار الدافع الغريزي وليس تعليق التنفيذ إلى أجل معين ، نتحدث عن الكبت في الإسلام !
ليس في أديان العالم ونظمه ما هو أصرح من الإسلام في الاعتراف بالدوافع الفطرية ، وتنظيف مكانها في الفكر والشعور . يقول القرآن : " زُين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوَّمة والأنعام والحرث ( ) " فيجمع في هذه الآية شهوات الأرض ويقرر أنها أمر واقع مزين للناس ، لا اعتراض عليه في ذاته ، ولا إنكار على من يحس بهذه الشهوات .
صحيح أنه لا يبيح للناس أن ينساقوا مع هذه الشهوات إلى المدى الذي يصبحون فيه مستعبدين لها ، لا يملكون أمرهم منها . فالحياة لا تستقيم بهذا الوضع . والبشرية لا تستطيع أن تحقق طبيعتها التي تهدف إلى التطور الدائم نحو الارتفاع ، إذا هي ظلت عاكفة على ملذاتها تستنفد فيها كل طاقتها ، وتتعود فيها على الهبوط والانتكاس نحو الحيوانية .
نعم لا يبيح الإسلام للناس أن يهبطوا لعالم الحيوان . ولكن هناك فرقاً هائلاً بين هذا وبين الكبت اللاشعوري ، بمعنى استقذار هذه الشهوات في ذاتها ، ومحاولة الامتناع عن الإحساس بها رغبة في التطهر والارتفاع .
وطريقة الإسلام في معاملة النفس الإنسانية هي الاعتراف بالدوافع الفطرية كلها من حيث المبدأ وعدم كبتها في اللاشعور ، ثم إباحة التنفيذ العملي لها في الحدود التي تعطي قسطاً معقولاً من المتاع ، وتمنع وقوع الضرر سواء على فرد بعينه أو على المجموع كله .
والضرر الذي يحدث للفرد من استغراقه في الشهوات ، هو إفناء طاقته الحيوية قبل موعدها الطبيعي ، واستعباد الشهوات له بحيث تصبح شغله الشاغل وهمه المقعد المقيم ، فتصبح بعد فترة عذاباً دائماً لا يهدأ ، وجوعة دائمة لا تشبع ولا تستقر .
أما الضرر الذي يحدث للمجتمع فهو استنفاد الطاقة الحيوية التي خلقها الله لأهداف شتى، في هدف واحد قريب ، وإهمال الأهداف الأخرى الجديرة بالتحقيق . فضلاً عن تحطيم كيان الأسرة ، وفك روابط المجتمع ، وتحويله إلى جماعات متفرقة لا يجمعها رابط ولا هدف مشترك : " تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى " مما يسهل على غيرهم غزوهم وتحطيمهم كما حدث لفرنسا .
وفي هذه الحدود - التي تمنع الضرر - يبيح الإسلام الاستمتاع بطيبات الحياة ، بل يدعو إليه دعوة صريحة فيقول مستنكراً : " قل : من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ( ) " ؟ ويقول : " ولا تنس نصيبك من الدنيا ( ) " ويقول : " كلوا من طيبات ما رزقناكم ( ) " " وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ( ) "
بل يصل في صراحته في الاعتراف بالإحساس الجنسي خاصة - وهو مدار الحديث عن الكبت في الأديان - أن يقول الرسول الكريم : " حُبِّبَ إليَّ من دنياكم الطيب والنساء ، وجعلت قرة عيني في الصلاة " ( ) . فيرفع الإحساس الجنسي إلى درجة الطيب أزكى رائحة في الأرض ، ويقرنها إلى الصلاة أزكى ما يتقرب به الإنسان لله . ويقول في صراحة كذلك : إن الرجل يثاب على العمل الجنسي يأتيه مع زوجته . فإذا قال المسلمون متعجبين : " يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ " قال الرسول صلى الله عليه وسلم : " أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر " ( ) !
ومن هنا لا ينشأ الكبت إطلاقاً في ظل الإسلام . فإذا أحس الشباب بالرغبة الجنسية الدافقة فليس في ذلك منكر ، ولا يوجد داع لاستقذار هذا الإحساس والنفور منه .