إلى هذا الحد وصل تكريم الإسلام للمرأة . ولا يستطيع أحد مهما أوتي القدرة على التبجح ، أن يقول إن فكرة الإسلام في كل هذه الأمور قائمة على أن المرأة مخلوق ثانوي ، أو تابع في وجوده لمخلوق آخر ، أو إن دورها في الحياة دور ضئيل لا يؤبه له . فلو كان الأمر كذلك ما عني بتعليمها . والتعليم بالذات مسألة لها دلالة خاصة ، وتكفي وحدها - دون حاجة إلى المسائل الأخرى - لتقرير الوضع الحقيقي للمرأة في الإسلام ، وهو وضع كريم عند الله وعند الناس .
ولكن الإسلام بعد هذا - بعد تقرير المساواة الكاملة في الإنسانية ، والمساواة في جميع الحقوق التي تتصل مباشرة بالكيان البشري المشترك بين الجميع - يفرق بين الرجل والمرأة في بعض الحقوق وبعض الواجبات . وهنا الضجة الكبرى التي تثيرها نساء المؤتمرات ، ويثيرها معهن كتاب و " مصلحون " وشباب ، يعلم الله كم يريدون بدعوتهم وجه الإصلاح ، وكم يريدون بها أن يجدوا المرأة سهلة التناول في المجتمع وفي الطريق !
وقبل الدخول في تفصيل هذه المواضع التي يفرق فيها الإسلام بين الرجل والمرأة ، ينبغي أولاً أن نرد المسألة إلى جوهرها الحقيقي ، إلى أصولها الوظيفية ، الجسمية والنفسية ، ثم نستعرض بعد ذلك رأي الإسلام .
هل هما جنس واحد أو جنسان ؟ وهل هي وظيفة واحدة أم وظيفتان ؟ تلك عقدة الموضوع . فإن أرادت نساء المؤتمرات وكتابهن ومصلحوهن وشبابهن أن يقولوا : ليس بين المرأة والرجل خلاف في التكوين الجسدي والكيان الوجداني ووظائف الحياة البيولوجية ، فما عسى أن يرد به عليهم ! ؟ وإن أقروا بوجود هذا الخلاف فهناك إذن أساس صالح لمناقشة الموضوع .
وقد ناقشت مسألة المساواة بين الجنسين في كتاب " الإنسان بين المادية والإسلام " في فصل طويل عن " المشكلة الجنسية " لا أرى بأساً في أن أنقل منه هنا بضع فقرات :
" .. وتبعاً لهذا الاختلاف الحاسم في المهمة والأهداف اختلفت طبيعة الرجل والمرأة ، ليواجه كل منهما مطالبه الأساسية وقد زودته الحياة بكل التيسيرات الممكنة ، ومنحته التكييف الملائم لوظيفته .
" لذلك لا أرى كيف تستساغ هذه الثرثرة الفارغة عن المساواة الآلية بين الجنسين ! إن المساواة في الإنسانية أمر طبيعي ومطلب معقول . فالمرأة والرجل هما شقا الإنسانية ، وشقا النفس الواحدة . أما المساواة في وظائف الحياة وطرائقها فكيف يمكن تنفيذها ؛ ولو أرادتها كل نساء الأرض وعقدت من أجلها المؤتمرات وأصدرت القرارات ؟
" هل في وسع هذه المؤتمرات وقراراتها الخطيرة أن تبدل طبائع الأشياء ، فتجعل الرجل يشارك المرأة في الحمل والولادة والإرضاع ؟
" وهل يمكن أن تكون هناك وظيفة بيولوجية من غير تكييف نفسي وجسدي خاص ؟ هل اختصاص أحد الجنسين بالحمل والرضاعة لا يستتبعه أن تكون مشاعر هذا الجنس وعواطفه وأفكاره مهيأة بطريقة خاصة لاستقبال هذا الحادث الضخم ، والتمشي مع مطالبه الدائمة ؟
" إن الأمومة ، بكل ما تحويه من مشاعر نبيلة ، وأعمال رفيعة ، وصبر على الجهد المتواصل ، ودقة متناهية في الملاحظة وفي الأداء .. هي التكييف النفسي والعصبي والفكري الذي يقابل التكييف الجسدي للحمل والإرضاع . كلاهما متمم للآخر متناسق معه ، بحيث يكون عجيباً أن يوجد أحدهما في غيبة من الآخر .
" وهذه الرقة اللطيفة في العاطفة ، والانفعال السريع في الوجدان ، والثورة القوية في المشاعر ، التي تجعل الجانب العاطفي ، لا الفكري ، هو النبع المستعد أبداً بالفيض ، المستجاش أبداً بأول لمسة ، كل ذلك من مستلزمات الأمومة ، لأن مطالب الطفولة لا تحتاج إلى التفكير ، الذي قد يسرع أو يبطئ ، وقد يستجيب أولا يستجيب ، وإنما تحتاج إلى عاطفة مشبوبة لا تفكر ، بل تلبي الداعي بلا تراخ ولا إبطاء .
" فهذا كله هو الوضع الصحيح للمرأة حين تلبي وظيفتها الأصيلة وهدفها المرسوم .
" والرجل من جانب آخر مكلف بوظيفة أخرى ، ومهيأ لها على طريقة أخرى .
" مكلف بصراع الحياة في الخارج . سواء كان الصراع هو مجابهة الوحوش في الغابة ، أو قوى الطبيعة في السماء والأرض ، أو نظام الحكومة وقوانين الاقتصاد … كل ذلك لاستخلاص القوت ، ولحماية ذاته وزوجه وأولاده من العدوان .