ولا يقولنّ أحد إنه لم يكن من الممكن أن يطفر الإسلام إلى ذلك دفعة واحدة قبل أن يمر بالتجارب القاسية والصراع الطبقي والضغط الاقتصادي الذي يلجئه إلى تعديل تشريعاته ، فها قد ثبت لدينا بديل قاطع أن الإسلام قد سبق تطور البشرية في مسألة الرق والرأسمالية البسيطة متطوعاً غير خاضع لضغط ، وإنما مدفوعاً بفكرته الذاتية عن الحق والعدل الأزليين اللذين يسخر بهما فردريك إنجلز وغيره من الشيوعيين . كما ثبت أيضاً أن روسيا ذاتها قد انتقلت طفرة من الإقطاع إلى الشيوعية ولم تمر بالمرحلة الرأسمالية ، فكانت - وهي الدولة التي اعتنقت آراء كارل ماركس - أكبر مكذب عملي لنظرية ماركس في تحديد المراحل التطورية التي " ينبغي " أن تمر فيها البشرية .
أما الاستعمار والحروب واستغلال الشعوب وكل ما صاحب الرأسمالية من شرور عالمية . فهو خارج من حساب الإسلام أصلاً بطبيعة الحال .
فليس من مبادئه أن يستعمر أو يشن حرباً للاستغلال ، لأن الحرب الوحيدة التي يقرها هي الحرب لدفع العدوان أو لنشر الدعوة حين تقف القوة المسلحة في سبيل الدعوة السلمية . ولا مجال في الإسلام لما يقوله الشيوعيون وإضرابهم من أن الاستعمار كان مرحلة حتمية في حياة البشرية لا يمكن أن تقف في سبيله المبادئ ولا قضايا الأخلاق ، لأنه مسألة اقتصادية ناشئة من تكدس البضائع في البلاد المنتجة والحاجة إلى أسواق خارجية لتصريفها .. لا مجال لهذا الهراء كله لأنهم هم أنفسهم يقولون – أو على الأقل يزعمون - أن روسيا ستتصرف في هذه المشكلة بطريقة أخرى ، هي زيادة نصيب العمال من الإنتاج أو تخفيض ساعات العمل ، بحيث لا يتبقى فائض يحتاج في تصريفه إلى استعمار . والذي تزعم الشيوعية أنها اهتدت إليه ليس وقفاً عليها وحدها . على أن التاريخ يشهد أن الاستعمار نزعة قديمة في البشرية ، ولم ينتج من الرأسمالية ، وإنما الرأسمالية زادته حدة في العصر الحديث بما تملك من وسائل جديدة للتخريب ، ولكنه كان في عهد الرومان لا يقل بشاعة عما هو اليوم من حيث المبدأ ، ومن حيث استغلال الغالب للمغلوب . ويشهد التاريخ كذلك أن أنظف نظام في هذا الباب هو النظام الإسلامي ، لأن حروبه - فما عدا قلة نادرة لا تحسب عليه - كانت بريئة من الاستغلال والاستذلال ، فكان هو أولى النظم - لو نشأت فيه الصناعات الكبرى -أن يلجأ لحل مشكلة الفائض من الإنتاج بغير الاستعمار والحروب . على أن مشكلة الفائض من الإنتاج ذاتها إنما هي إفراز للنظام الرأسمالي بصورته هذه . فلو تغيرت أسسه ما وجدت المشكلة ( ).
هذا كله من ناحية . ومن ناحية أخرى فإن ولي الأمر في الإسلام لا يقف عاجزاً أمام مشكلة تضخم الأموال في يد فئة قليلة من الناس ، وبقاء المجموع في حالة من الشظف والحرمان . فهذا مخالف لمبادئه الصريحة التي تحتم توزيع المال بين الجميع : " كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم " ( ) وولي الأمر مكلف بتنفيذ الشريعة بكل طريقة يرى أنها توصله إلى ذلك ما دام لا يقع فيها لا ظلم ولا ضرر . وفي يده سلطة واسعة لهذا الشأن لا حدود لها إلا طاعة الله . على أن مجموعة الأنظمة الإسلامية في ذاتها تمنع ابتداء من هذا التضخم . ونشير هنا إلى نظام الإرث وتفتيته للثروة على رأس كل جيل . وإلى نظام الزكاة واقتطاعه واحداً من أربعين من رأس المال وربحه في كل عام . ونظام التكافل الذي يبيح في بعض الحالات التوظيف في رؤوس الأموال بالقدر الذي يحتاج إليه بيت المال للضرورات . ثم تحريم كنز المال . وتحريم الربا الذي هو العامل الأول والأساسي لتضخم رؤوس الأموال . ثم طبيعة العلاقات بين أفراد المجتمع المسلم وقيامها على التكافل العام .