تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" ونظام الإقطاع عبارة عن أسلوب من الإنتاج ، الصفة المميزة له هي التبعية الدائمة serfdom ويعرفونه بأنه نظام في ظله يلتزم المنتج المباشر نحو سيده أو مولاه بأداء مطالب اقتصادية معينة ، سواء أكانت تلك المطالب تؤدي على هيئة خدمات يقوم بها ، أم على شكل مدفوعات " أو استحقاقات " يؤديها نقداً أو عيناً . ولتوضيح ذلك نقول : إن المجتمع الإقطاعي كان ينقسم إلى طبقتين : الأولى وتشمل ملاك الأبعاديات الإقطاعية . والثانية وتتكون من المزارعين على اختلاف مراتبهم ، فمنهم الفلاحون والعمال الزراعيون والعبيد ، وإن كان عدد الآخرين ظل يتناقص باطراد وسرعة . فهؤلاء الفلاحون ، أي المنتجون المباشرون ، لهم الحق في حيازة مساحة من الأرض يعتمدون عليها بوسائلهم في كسب معاشهم وإنتاج ما يلزمهم من أسباب العيش ، كما يمارسون في بيوتهم الصناعات البسيطة التي تتصل بالزراعة . ولكنهم مقابل ذلك يلزمون بأمور عدة مثل الخدمة الأسبوعية في أرض الشريف مع آلاتهم وماشيتهم ، والخدمة الإضافية في المواسم الزراعية ، وتقديم الهدايا في الأعياد والمناسبات الخاصة ، وعليهم كذلك أن يطحنوا غلالهم في المطاحن التي يقيمها الشريف وأن يعصروا كرومهم في معصرته …

" وكان الشريف يمارس أمور الحكم والقضاء ، أي أنه يشرف على تنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية بالنسبة إلى أهل منطقته .

" … غير أن هذا المنتج المباشر في ظل النظام الإقطاعي لم يكن حراً بالمعنى الذي نعرفه فيما بعد ، فهو لا يملك الأرض ملكية كاملة ، ولا يستطيع التصرف فيها بالبيع والتوريث أو الهبة ، وكان يؤدي أعمال السخرة في أرض الشريف الخاصة رغماً عنه وضد مصلحته ، وعليه أن يؤدي ضريبة- غير محدودة المقدار- اعترافاً بعلاقة التبعية ، وهو ينتقل مع الأرض إذا ما انتقلت هذه من يد إلى أخرى . وليست له الحرية المطلقة في مغادرة مكان العمل أو محاولة الالتحاق بخدمة سيد آخر . فهو إذن يمثل حلقة متوسط بين العبد في العصور القديمة ، والمزارع الحر في العصر الحديث .

" ... فالمالك هو الذي يحدد مساحة الأرض التي يهبها للفلاح ، وهو الذي يحدد مقدار الخدمات التي يطلب من الأجير أداءها وهو في قراراته هذه لا يتقيد بتصرفات الملاك الآخرين ، ولا يستجيب لمطالب الفلاحين .

ثم يقول : " وهنا بدأت في القرن الثالث عشر حركة هجرة غير مشروعة من جانب العمال الزراعيين ، وهي الحركة المعروفة باسم " فرار الفلاحين " . وحاول الملاك استرداد الفلاحين الهاربين ، فعقدوا فيما بينهم اتفاقات تقضي بأن يقبض كل مالك على العمال الذين يصلون إلى إقطاعيته ، غير أن عملية الفرار هذه كانت ظاهرة عامة ، وشعر كل مالك بحاجته إلى العمال لمزاولة الزراعة ، فبدأ التحرر من هذه الاتفاقات ، وهكذا أخفقت محاولة التعاون بين الملاك ، وهنا رأى الأخيرون أنه لا بد من علاج آخر ، فاتجه التفكير إلى إحلال الأجور النقدية محل السخرة الإجبارية .

" وتمكن كثيرون من الفلاحين من تكوين فائض . واستغلوا حاجة الأمراء والملاك الإقطاعيين ، فاشتروا حريتهم الشخصية . وإذا كانت هذه الظواهر لم تصبح تقاليد شائعة حتى القرن الرابع عشر ، فالمهم أن الأسس التي كان يقوم عليها المجتمع الإقطاعي قد أخذت تتقوض ، وهي عملية اطرد تقدمها في القرون التالية ( ) " .

تلك مقومات الإقطاع ، نقلناها بتفصيلاتها لتتضح صورتها في أذهاننا ولا تختلط علينا بغيرها من المظاهر والأشكال . فمتى وأين يا ترى حدث في الإسلام مثل هذا الإقطاع ؟

لعل المظهر الذي يشتبه على بعض الباحثين ، أو الذي يستغله المغرضون ليقلوا منه الشبهات حول الإسلام ، هو انقسام المجتمع الإسلامي لفترة من الوقت إلى ملاك للأبعاديات ، وفلاحين يعملون في هذه الأبعاديات . ولكن هذا مجرد مظهر ، وهو خال من الدلالة الزائفة التي يلصقها به هؤلاء وهؤلاء . ولنعد إلى المقومات الأساسية للإقطاع لنوازن بينها وبين ما حدث في المجتمع الإسلامي . إنها :

أولاً : التبعية الدائمة Serfdom

ثانياً : الالتزامات التي يلتزم بها الفلاح نحو السيد ، وتشمل :

(أ ) ... الخدمة المجانية الإجبارية في أرض الشريف يوماً كل أسبوع .

(ب ) ... الخدمة المجانية الإجبارية في المواسم .

(ج) تقديم الهدايا في الهدايا والمناسبات ( ويلاحظ هنا أن الفلاح الفقير هو الذي يقدم الهدايا للسيد الغني ! )

(د) طحن الغلال في مطحنة الشريف ( ونغض النظر عن عصر الكروم فالخمر محرمة في الإسلام ) .

ثالثاً : تحديد الشريف - حسب هواه - لمقدار الأرض الممنوحة لرقيق الأرض والخدمات والضرائب المطلوبة منه .

رابعاً : ممارسة الشريف لأمور الحكم والقضاء حسبما يقضي به مزاجه الخاص لعدم وجود قانون عام .

خامساً : اضطرار الفلاحين إلى شراء حريتهم بالمال حين آذن هذا النظام بالانهيار ..

وبعد فهذا هو التاريخ الإسلامي مفتوحاً للجميع ، فليبحثوا فيه عن مثل هذه المقومات !

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٤٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٤٣٩