تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جاء ليأمر السادة أمراً أن يحسنوا معاملتهم للرقيق : " وبالوالدين إحساناً ، وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى ، والجار الجنب ، والصاحب بالجنب ، وابن السبيل ، وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً " ( ) . وليقرر أن العلاقة بين السادة والرقيق ليست علاقة الاستعلاء والاستعباد ، أو التسخير أو التحقير ، وإنما هي علاقة القربى والأخوة . فالسادة " أهل " الجارية يُستأذنون في زواجها : " فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم . بعضكم من بعض ، فانكحوهن بإذن أهلهن ، وآتوهن أجورهن بالمعروف " ( ) ، وهم إخوة للسادة : " إخوانكم خولكم .. فمن كان " أخوه " تحت يده فليطعمه مما يطعم ، وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم ، فإن كلفتموهم فأعينوهم " ( ) . وزيادة في رعاية مشاعر الرقيق يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : " لايقل أحدكم : هذا عبدي وهذه أمتي ، وليقل : فتاي وفتاتي " ( ) . ويستند على ذلك أبو هريرة فيقول لرجل ركب وخلفه عبده يجري : " احمله خلفك ، فإنه أخوك ، وروحه مثل روحك " .

ولم يكن ذلك كل شئ . ولكن ينبغي قبل أن ننتقل إلى الخطوة التالية أن نسجل القفزة الهائلة التي قفزها الإسلام بالرقيق في هذه المرحلة .

لم يعد الرقيق " شيئاً " . وإنما صار بشراً له روح كروح السادة . وقد كانت الأمم الأخرى كلها تعتبرالرقيق جنساً آخر غير جنس السادة ، خلق ليستعبد ويستذل ، ومن هنا لم تكن ضمائرهم تتأثم من قتله وتعذيبه وكيه بالنار وتسخيره في الأعمال القذرة والأعمال الشاقة ( ) . ومن هنالك رفعه الإسلام إلى مستوى الأخوة الكريمة ، لا في عالم المثل والأحلام ، بل في عالم الواقع . ويشهد التاريخ ـ الذي لم ينكره أحد ، حتى المتعصبون من كتاب أوربا ـ بأن معاملة الرقيق في صدر الإسلام بلغت حداً من الإنسانية الرفيعة لم تبلغه في أي مكان آخر . حداً جعل الرقيق المحررين يأبون مغادرة سادتهم السابقين ـ مع أنهم يملكون ذلك بعد أن تحرروا اقتصادياً وتعودوا على تحمل تبعات أنفسهم ـ لأنهم يعتبرونهم أهلاً لهم ، يربطهم بهم ما يشبه روابط الدم ! وأصبح الرقيق كائناً إنسانياً له كرامة يحميها القانون ، ولا يجوز الاعتداء عليها بالقول ولا بالفعل . فأما القول فقد نهى صلى الله عليه وسلم السادة عن تذكير أرقائهم بأنهم أرقاء . وأمرهم أن يخاطبوهم بما يشعرهم بمودة الأهل وينفي عنهم صفة العبودية ، وقال لهم في معرض هذا التوجيه : " إن الله ملككم إياهم ولو شاء لملكهم إياكم " ( ) فهي إذن مجرد ملابسات عارضة جعلت هؤلاء رقيقاً ، وكان من الممكن أن يكونوا سادة لمن هم اليوم سادة ! وبذلك يغض من كبرياء هؤلاء ، ويردهم إلى الآصرة البشرية التي تربطهم جميعاً ، والمودة التي ينبغي أن تسود علاقات بعضهم ببعض . وأما الاعتداء الجسدي فعقوبته الصريحة هي المعاملة بالمثل : " ومن قتل عبده قتلناه .. " وهو مبدأ صريح الدلالة على المساواة الإنسانية بين الرقيق والسادة ، وصريح في بيان الضمانات التي يحيط بها حياة هذه الطائفة من البشر ـ التي لا يخرجها وضعها العارض عن صفتها البشرية الأصيلة ـ وهي ضمانات كاملة ووافية ، تبلغ حداً عجيباً لم يصل إليه قط تشريع آخرمن تشريعات الرقيق في التاريخ كله ، لا قبل الإسلام ولا بعده ، إذ جعل مجرد لطم العبد في غير تأديب ( وللتأديب حدود مرسومة لا يتعداها ولا يتجاوز على أي حال ما يؤدب به السيد أبناءه ) مبرراً شرعياً لتحرير الرقيق .

* * *

ثم ننتقل إلى المرحلة التالية ، مرحلة التحرير الواقعي .

لقد كانت الخطوة السابقة في الواقع تحريراً روحياً للرقيق ، برده إلى الإنسانية ومعاملته على أنه بشر كريم لا يفترق عن السادة من حيث الأصل ، وإنما هي ظروف عارضة حدت من الحرية الخارجية للرقيق في التعامل المباشر مع المجتمع ، وفيما عدا هذه النقطة كانت للرقيق كل حقوق الآدميين .

ولكن الإسلام لم يكتف بهذا ، لأن قاعدته الأساسية العظمى هي المساواة الكاملة بين البشر ، وهي التحرير الكامل لكل البشر . ولذلك عمل فعلاً على تحرير الأرقاء ، بوسيلتين كبيرتين : هما العتق والمكاتبة .

فأما العتق فهو التطوع من جانب السادة بتحرير من في يدهم من الأرقاء ، وقد شجع الإسلام على ذلك تشجيعاً كبيراً ، وكان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم القدوة الأولى في ذلك إذ أعتق من عنده من الأرقاء ، وتلاه في هذا أصحابه ، وكان أبو بكر ينفق أموالاً طائلة في شراء العبيد من سادة قريش الكفار ، ليعتقهم ويمنحهم الحرية ؛ وكان بيت المال يشتري العبيد من أصحابهم ويحررهم كلما بقيت لديه فضلة من مال . قال يحيى بن سعيد : " بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية ، فجمعتها ثم طلبت فقراء نعطيها لهم فلم نجد فقيراً ولم نجد من يأخذها منا ، فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس ، فاشتريت بها عبيداً فأعتقتهم".

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٤٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٤٣٥