تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقول نصر أبو زيد: (إن القرآن نص ديني ثابت من حيث منطوقه ، لكنه من حيث مفهومه يتعرض له العقل الإنساني ويصبح مفهوما يفقد صفة الثبات ، ومن الضروري هنا أن نؤكد أن حالة النص الخام المقدس حالة ميتافيزيقية(592) لا ندري عنها شيئا ، والنص منذ لحظة نزوله الأولى ، تحول من كونه (نصا إلهيا) وصار فهما (نصا إنسانيا)؛ لأنه تحول من التنزيل إلى التأويل، إن فهم النبي ( صلى الله عليه وسلم )(593) للنص يمثل أولى مراحل حركة النص في تفاعله بالعقل البشري، ولا التفات لمزاعم الخطاب الديني بمطابقة فهم الرسول للدلالة الذاتية للنص ، على فرض وجود مثل هذه الدلالة الذاتية...)(594)،

ويقول عن القرآن :(كتاب العربية الأكبر وإثرها الأدبي الخالد دون نظر إلى اعتبار ديني)(595)، ويقول (إن النص في حقيقته وجوهره منتج ثقافي )(596). ويقول : (منذ نزل القرآن في كلمات عربية أصبح بشريا يجوز الطعن فيه وعليه ، وتجوز مناقشته ويجوز فيه ما يجوز على الكلام البشري من خطأ وصواب)(597).

وهذا هو أساس المذهب العلماني الذي ينطلق من مبدأ عزل الدين عن السياسة ، وينتهي بعزل الدين عن الحياة(598) .

ثانيا : الرد عليهم:

يحسن فى بداية هذا الرد أن أقرر أن ثمة فرقاً كثيرة من الفرق المنحرفة ، فتحت هذا الباب للطاعنين ؛ منها المعتزلة في دعواهم تقديم العقل على النقل(599) ، ومنها الصوفية في دعواهم أن للقرآن معنى ظاهرا وباطنا ، وأن الباطن لا يفهمه إلا كبار مشايخ الصوفية ،وأن الكشف والرؤى والمنامات أهم مصادر التلقي عندهم(600) ، ومنها الشيعة الذين يقدمون قول الأئمة على القرآن(601) .

لذلك كان من أهم ما يميز عقيدة أهل السنة والجماعة ما يسمى بمنهج التلقي (602)، فهم يعتمدون في تلقى الأحكام الشرعية على القرآن والسنة والإجماع والقياس ، وغيرها من الأدلة التي يذكرها كل من تكلم في علم أصول الفقه ، ويعتمدون في الفهم على فهم السلف الصالح للنصوص.

والرد على هؤلاء وهؤلاء كالتالي:

إذا ثبت أن القرآن ليس من عند النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأنه من الله تعالى بكل ما فيه من كلمات وحروف-كما أثبتنا هذا في المباحث السابقة- فهو إذن مقدس لا يمكن الاعتراض عليه ولا نقده ، فقد أمر الله الناس باتباع الشرع ، والأمر يدل على الوجوب ؛ فقال سبحانه :

( وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ( [يونس:109]،فكيف نخالف أمر الله تعالى بأن نتبع غير الوحي؟

ومن أعظم معاني العبادة الرضى به حَكَمًا سبحانه :

( ..إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ( [يوسف:40]، فالدين القيم أن تجعل تحاكمك لله ، والتحليل والتحريم والتشريع من خصائص الربوبية ، ومن جعلها لغير الله فقد اتخذه ندا له سبحانه:

( ...إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ( [الأنعام:57].

والحصر يدل على انفراد الله تعالى بالحكم .

( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( [التوبة:31]

عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ : " أَتَيْتُ النَّبِيَّ ( وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ ،فَقَالَ : يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ " . وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ. ( (603).

يعني أنهم لم يتخذوهم أربابا لأنهم عبدوهم،بل لكونهم أطاعوهم في التحليل والتحريم .

وقال سبحانه :( ..وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا([الكهف:26]، فسمى التحاكم لغيره شِركًا(604)،

وقال :( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب( [الشورى:10]، وكلمة (شيء) نكرة في سياق النفي وهذا من صيغ العموم ، فكل شيء نختلف فيه فالحكم فيه لله ، ثم أكد على إرادة العموم بـ(من) التي تفيد التأكيد(605).

والله سبحانه لا يحكم ولا يقضي إلا بالحق ، فمن رد حكم الله وشرعه فإنما رد الحق ( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ... ( [يونس:32].

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٢٢٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٢٢٩٩