وإن كان مسحوراً مخبولاً، والمخبول تتأتى منه حركات وأقوال دون أن تمر على العقل الواعي الذي يختار بين البديلات، فلا يكون له سيطرة على إراداته ولا على خلقه، فهل عهدكم بمحمد أن كان مخبولاً؟ هل رأيتم عليه مثل هذه الصفات؟
لذلك رد الحق سبحانه عليهم هذا الافتراء بقوله تعالى:
﴿نَ والقلم وما يسطرون "1" ما أنت بنعمة ربك بمجنونٍ "2" وإن لك لأجراً غير ممنونٍ "3" وإنك لعل خلقٍ عظيمٍ "4"﴾
(سورة القلم)
والمجنون لا يكون على خلق أبداً.
وسوف يناقض فرعون نفسه، فبعد أن اتهم موسى بالسحر، ثم كانت الغلبة لموسى، وخر السحرة ساجدين، قال:
﴿إنه لكبيركم الذي علمكم السحر .. "71"﴾
(سورة طه)
(قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا "102" )
أي: قال موسى لفرعون، والتاء في (علمت) مفتوحة أي: تاء الخطاب، فهو يكلمه مباشرة ويخاطبه: لقد علمت يا فرعون علم اليقين أنني لست مسحوراً ولا مخبولاً، وأن ما معي من الآيات مما شاهدته وعاينته من الله رب السماوات والأرض، وأنت تعلم ذلك جيداً إلا أنك تنكره، كما قال تعالى:
﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً .. "14"﴾
(سورة النمل)
إذن: فعندهم يقين بصدق هذه المعجزات، ولكنهم يجحدونها؛ لأنها ستزلزل سلطانهم، وتقوض عروشهم.
---------------------------
والقرآن ليس به وصلات ردح وإباحة كما يزعمون بانه حدث بين سيدنا موسى عليه السلام وفرعون
فاعلم أن فرعون لما وصف موسى بكونه مسحوراً أجابه موسى بأنك مثبور يعني هذه الآيات ظاهرة، وهذه المعجزات قاهرة ولا يرتاب العاقل في أنها من عند الله وفي أنه تعالى إنما أظهرها لأجل تصديقي وأنت تنكرها فلا يحملك على هذا الإنكار إلا الحسد والعناد والغي والجهل وحب الدنيا ومن كان كذلك كانت عاقبته الدمار والثبور.
قال الفراء: المثبور الملعون المحبوس عن الخير .... والعرب تقول ما ثبرك عن هذا أي ما منعك منه وما صرفك
ولكن لو رجعنا للكتاب المقدس سنجد وصلة ردح بين اليسوع وامه امام الجميع وانتهت بقولها المشهور : انه مختل
ولما سمع اقرباؤه خرجوا ليمسكوه لانهم قالوا انه مختل ... مرقص 3:21
---------------------------------------
(فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا "103")
(فأراد) أي: فرعون. (أن يستفزهم) كلمة "استفز" سبق الكلام عنها في قوله تعالى:
﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك .. "64"﴾
(سورة الإسراء)
فالاستفزاز هو الإزعاج بالصوت العالي، يقوم المنادي ويخف من مكانه، وهذا الصوت أو هذه الصيحة يخرجها الفارس أو اللاعب كما نرى في لعبة الكراتيه مثلاً ليزعج الخصم ويخيفه، وأيضاً فإن هذه الصيحة تشغل الخصم، وتأخذ جزءاً من تفكيره، فيقل تركيزه، فيمكن التغلب عليه. ومن الاستفزاز قول أحدنا لابنه المتكاسل: فز. أي: انهض وخف للقيام.
إذن: المعنى: فأراد فرعون أن يستفزهم ويخدعهم خديعة تخرجهم من الأرض، فتخلو له من بعدهم، وهذا دليل على غباء فرعون وتغفيله وحماقته، فما جاء موسى إلا ليأخذ بني إسرائيل، كما جاء في قوله تعالى:
﴿فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين "16" أن أرسل معنا بني إسرائيل "17"﴾
(سورة الشعراء)
فكأن غباء فرعون أعان القدر الذي جاء به موسى ـ عليه السلام ـ ولكن كان لله تعالى إرادة فوق إرادة فرعون، فقد أراد أن يخرج بني إسرائيل وتخلو له الأرض، وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يستفزه هو من الأرض كلها ومن الدنيا، فأغرقه الله تعالى وأخذه أخذ عزيز مقتدر، وعاجله قبل أن ينفذ ما أراد.
كما يقولون في الأمثال عند أهل الريف للذي هدد جاره بأن يحرق غلته وهي في الجرن، فإذا بالقدر يعالجه (والغلة لست فريك) أي: يعاجله الموت قبل نضج الغلة التي هدد بحرقها، فأغرقه الله ومن معه جميعاً
==================
ولقد هَمَّت به وهَمَّ بها، لولا أن رأى برهان ربه
ولقد هَمَّت به وهَمَّ بها، لولا أن رأى برهان ربه. كذلك لنصرفَ عنه السُّوءَ والفحشاء. إنه من عبادنا المخْلَصين (آية 24).
قال المفسرون: إن همّ يوسف كان معصية، وإنه جلس منها مجلس الرجل من امرأته، وإلى هذا القول ذهب معظم المفسرين وعامتهم، فيما ذكر القُشيريّ أبو نصر، وابن الأنباريّ والنحاس والماورديّ وغيرهم. قال ابن عباس: حلّ الهِميان وجلس منها مجلس الخاتن، وعنه: استلقت على قفاها وقعد بين رجليها ينزع ثيابه. وقال سعيد بن جُبير: أطلق تِكَّة سراويله. وقال مجاهد: حلّ سراويله. وقال مجاهد: حلّ السراويل حتى بلغ الإليتين، وجلس منها مجلس الرجل من امرأته. قال ابن عباس: ولما قال: ذلك ليعلم أني لم أَخُنْهُ بالغَيْب (يوسف 52) قال له جبريل: ولا حين هممت بها يا يوسف؟! فقال عند ذلك: وما أبَرِّئُ نفسي (يوسف 53). قالوا: والانكفاف في مثل هذه الحالة دالّ على الإخلاص، وأعظم الثواب (القرطبي في تفسير يوسف 12: 24).