وكقوله تعالى : (وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك( [الأعراف : 127] مع قوله : (أنا ربكم الأعلى( [النازعات : 24] ؛ فقيل : يجوز أن يكون معناه : ويذرك وآلهتك إن ساغ لهم ، ويكون إضافة الآلهة إليه ملكا كان يعبد في دين قومه ، ثم يدعوهم إلى أن يكون هو الأعلى ، كما تقول العرب موالي من فوق وموالي من أسفل ، فيكون اعتقادهم في الآلهة مع فرعون أنها مملوكة له ، فيحسن قولهم : (وآلهتك((108) ، وقوله تعالى : (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله( [الرعد : 28] مع قوله : (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم( [الأنفال : 2] فقد يظن أن الوجل خلاف الطمأنينة ؛ وجوابه أن الطمأنينة إنما تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد ، والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى ، فتوجل القلوب لذلك ، وقد جمع بينهما في قوله : (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله( [الزمر : 23] فإن هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم ، ووثقوا به ، فانتفى عنهم الشك .
وكقوله : (خمسين ألف سنة( [المعارج : 4] وفي موضع (ألف سنة( [السجدة : 5]، وأجيب بأنه باعتبار حال المؤمن والكافر بدليل (وكان يوما على الكافرين عسيرا( [الفرقان : 26] . وكقوله : (بألف من الملائكة مردفين( [الأنفال : 9] وفي آية أخرى (بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين( [آل عمران : 124] ، قيل : إن الألف أردفهم بثلاثة آلاف ، وكان الأكثر مددا للأقل ، وكان الألف (مردفين) بفتحها…)(109) .
إذن فأسباب إيهام التناقض عند الزركشي خمسة : -
السبب الأول : وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وتطويرات شتى .
السبب الثاني : اختلاف الموضوع .
السبب الثالث : اختلافهما في جهتي الفعل .
السبب الرابع : اختلافهما في الحقيقة والمجاز .
السبب الخامس : الاختلاف لوجهين واعتبارين .
وذكر صاحب كشف الأسرار أن من أسباب الاختلاف في القرآن :
(1- ( الغُمُوض فِي المعنى ) أَيْ الْإشكال إنَّمَا يَقَعُ لِغُمُوضٍ فِي الْمَعْنَى , وَمِنْ نَظَائِرِهِ قولُه تعالى : (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ( , اشْتَبَهَ مَعْنَاهُ عَلَى السَّامِعِ أَنَّهُ بِمَعْنَى كَيْفَ أَوْ بِمَعْنَى أَيْنَ ، فَعُرِفَ بَعْدَ الطَّلَبِ وَالتَّأَمُّلِ أَنَّهُ بِمَعْنَى كَيْفَ ، بِقَرِينَةِ الْحَرْثِ وَبِدَلَالَةِ حُرْمَةِ الْقُرْبَانِ فِي الْأَذَى الْعَارِضِ , وَهُوَ الْحَيْضُ فَفِي الْأَذَى اللَّازِمِ أَوْلَى .
2- (والاستعارة البديعة) وَأَمَّا نَظِيرُ الِاسْتِعَارَةِ الْبَدِيعَةِ ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى : (قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ( , فَالْقَوَارِيرُ لَا يَكُونُ مِنْ الْفِضَّةِ ، وَمَا كَانَ مِنْ الْفِضَّةِ لَا يَكُونُ قَوَارِيرَ ، وَلَكِنْ لِلْفِضَّةِ صِفَةُ كَمَالٍ, وَهِيَ نَفَاسَةُ جَوْهَرِهِ وَبَيَاضُ لَوْنِهِ ، وَصِفَةُ نُقْصَانٍ وَهِيَ أَنَّهَا لَا تَصْفُو وَلَا تَشِفُّ وَلِلْقَارُورَةِ صِفَةُ كَمَالٍ أَيْضًا ، وَهِيَ الصَّفَاءُ وَالشَّفِيفُ ، وَصِفَةُ نُقْصَانٍ , وَهِيَ خَسَاسَةُ الْجَوْهَرِ ، فَعُرِفَ بَعْدَ التَّأَمُّلِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ كُلٍّ وَاحِدٍ صِفَةُ كَمَالِهِ ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ مِنْ فِضَّةٍ , وَهِيَ مَعَ بَيَاضِ الْفِضَّةِ فِي صَفَاءِ الْقَوَارِيرِ وَشَفِيفِهَا . وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ( , فَاللِّبَاسُ لَا يُذَاقُ وَلَكِنَّهُ يَشْمَلُ الظَّاهِرَ ، وَلَا أَثَرَ لَهُ فِي الْبَاطِنِ ، وَالْإِذَاقَةُ أَثَرُهَا فِي الْبَاطِنِ وَلَا شُمُولَ لَهَا ، فَاسْتُعِيرَتْ الْإِذَاقَةُ لِمَا يَصِلُ مِنْ أَثَرِ الضَّرَرِ إلَى الْبَاطِنِ وَاللِّبَاسُ بِالشُّمُولِ ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ : فَأَذَاقَهُمْ مَا غَشِيَهُمْ مِنْ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ . أَيْ أَثَرُهُمَا وَاصِلٌ إلَى بَوَاطِنِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ شَامِلًا لَهُمْ . )(110)
ولعل أضبط التقاسيم بالنسبة لأسباب الطعون هو ما ذكره الراغب الأصبهاني(111) ؛ حيث قال :
(والمتشابه من القرآن : ما أشكل تفسيره لمشابهته بغيره ؛ إما من حيث اللفظ ، أو من حيث المعنى ؛ فقال الفقهاء : المتشابه ما لا ينبئ ظاهره عن مراده ، وحقيقة ذلك أن الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب :
محكم على الإطلاق ، ومتشابه على الإطلاق ، ومحكم من وجه متشابه من وجه .
فالمتشابه في الجملة(112) ثلاثة أضرب :
متشابه من جهة اللفظ فقط ، ومتشابه من جهة المعنى فقط ، ومتشابه من جهتهما .
- والمتشابه من جهة اللفظ ضربان :
1- أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة ، وذلك :
أ-إما من جهة غرابته نحو : الأبّ(113) ، ويزفون(114) .
ب-وإما من جهة مشاركة اللفظ كاليد ، والعين(115) .
2- والثاني يرجع إلى جملة الكلام المركب ، وذلك ثلاثة أضرب :