تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنه قوله تعالى : (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة([النساء : 3] مع قوله في أواخر السورة : (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم( [النساء : 129] فالأولى تُفهم إمكان العدل ، والثانية تنفيه ؛ والجواب أن المراد بالعدل في الأولى العدل بين الأزواج في توفية حقوقهن ، وهذا ممكن الوقوع وعدمه ، والمراد به في الثانية الميل القلبي ؛ فالإنسان لا يملك ميل قلبه إلى بعض زوجاته دون بعض ، وقد كان يقسم بين نسائه ثم يقول : " اللهم هذا قسمي في ما أملك ، فلا تؤاخذني بما لا أملك " . يعني ميل القلب ، وكان عمر يقول : اللهم قلبي فلا أملكه ، وأما ما سوى ذلك فأرجو أن أعدل .

ويمكن أن يكون المراد بالعدل في الثانية العدل التام ؛ أشار إليه ابن عطية ، وقد يحتاج الاختلاف إلى تقدير ، فيرتفع به الإشكال كقوله تعالى : (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى([النساء : 95] ثم قال سبحانه : (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما( والأصل في الأولى : وفضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر درجة ، والأصل في الثانية : وفضل الله المجاهدين على القاعدين من الأصحاء درجات .

وكقوله تعالى : (إن الله لا يأمر بالفحشاء([الأعراف : 28] مع قوله : (أمرنا مترفيها ففسقوا فيها([الإسراء : 16] ، والمعنى أمّرناهم وملّكناهم وأردنا منهم الصلاح فأفسدوا ، والمراد بالأمر في الأولى أنه لا يأمر به شرعا ولكن قضاء ؛ لاستحالة أن يجري في ملكه مالا يريد ، وفرقٌ بين الأمر الكوني والديني .

الثالث : الاختلاف في جهتي الفعل :

كقوله تعالى : (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم( [الأنفال : 17] ؛ أضيف القتل إليهم على جهة الكسب والمباشرة ، ونفاه عنهم باعتبار التأثير ؛ ولهذا قال الجمهور : إن الأفعال مخلوقة لله تعالى ، مكتسبة للآدميين ، فنفي الفعل بإحدى الجهتين لا يعارضه إثباته بالجهة الأخرى . وكذا قوله : (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى([الأنفال:17] أي ما رميت خلقا إذ رميت كسبا . وقيل : إن الرمي يشتمل على القبض والإرسال وهما بكسب الرامي ، وعلى التبليغ والإصابة وهما بفعل الله عز وجل ؛ قال ابن جرير الطبري : وهي الدليل على أن الله خالق لأفعال العباد ؛ فإن الله تعالى أضافه إلى نبيه ثم نفاه عنه ، وذلك فعل واحد ؛ لأنه من الله تعالى التوصيل إليهم ومن نبيه بالحذف والإرسال ، وإذا ثبت هذا لزم مثله في سائر أفعال العباد المكتسبة ، فمن الله تعالى الإنشاء والإيجاد ، ومن الخلق الاكتساب بالقوى .

ومثله قوله تعالى : (الرجال قوامون على النساء([النساء : 34] وقال تعالى : (وقوموا لله قانتين([البقرة : 238] فقيام الانتصاب لا ينافي القيام بالأمر لاختلاف جهتي الفعل .

الرابع : الاختلاف في الحقيقة والمجاز :

كقوله : (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى([الحج : 2] (ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت([إبراهيم : 17] وهو يرجع لقول المناطقة : الاختلاف بالإضافة . أي وترى الناس سكارى بالإضافة إلى أهوال القيامة مجازا ، وما هم بسكارى بالإضافة إلى الخمر حقيقة .

ومثله في الاعتبارين قوله تعالى : (آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين( [البقرة:8] وقوله : (ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون([الأنفال : 21] ، وقوله تعالى : (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون( [الأعراف : 198] ، فإنه لا يلزم من نفي النظر نفي الإبصار ، لجواز قولهم : نظرت إليه فلم أبصره .

الخامس : بوجهين واعتبارين :

وهو الجامع للمفترقات ، كقوله : (فبصرك اليوم حديد([ق : 22] وقال : (خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي([الشورى : 45] ، قال قطرب : (فبصرك( : أي علمك ومعرفتك بها قوية ، من قولهم : بصر بكذا وكذا . أي علم ، وليس المراد رؤية العين ، قال الفارسي : ويدل على ذلك قوله : (فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم الحديد( وصف البصر بالحدة .

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٢١٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٢١٩٢