أو تعطي العمال أجرة شهرية فهم في هذه الحالة أجراء عندك ، والأموال كلها لك ، أو تأخذ نسبة من أموال المضاربة ، وغير هذا لا يجوز .
فإن قال قائل : فأنا أريد أن أؤجر المحل للعمال بأجرة فهذا على احتمالين :
الأول : أن عقد الإجارة يقع على الرخصة وهذا لا يجوز ، لأن الرخصة كفالة ، وتأجير الكفالة لا يجوز .
الثاني : أن تشتري لهم معدات وتؤجرها عليهم بسعر السوق ، ففي هذه الحالة ، لا توجد حيلة ، ولا يجوز أن يوضع في الاعتبار حين الاتفاق على عقد الإجارة ، وجود الرخصة التجارية ، وهذا هو المخرج الشرعي .
مثال : أن أشتري حافلة "باص" ، وأقول للسائق : أؤاجرك هذا الباص بمائتي دينار ، واعمل عليه كما شئت ، فهنا أصبح الباص عينا مؤجرة ، والعقد عقد إجارة لا مضاربة ، بشرط ألا تكون ثمة حيلة ، فتكون أجرة الباص في السوق 50 دينارا مثلا ، وأنت أجرت عليه بمائة وخمسين ، وباقي المبلغ مقابل الكفالة أو الإقامة ، فهذا لا يجوز ، فالشرط أن تكون أجرته مماثلة لمثله في السوق ، فإما أن تجعل العمال أجراء عندك ، أو تجعلها شركة مضاربة إذا وثقت فيهم .
ثالثاً : شركة الوجوه :
ويعرف العلماء هذا النوع بأن يشترك اثنان لا مال لهما في ربح ما يشتريان من الناس بذممهما ، أي بجاههما وثقة التجار فيهما ، من غير أن يكون لهما رأس مال ، إذن هذه شركة لمن ليس لديهم مال حاضر ، ولكن لهم مكانة ووجاهة وثقة بين الناس ، فهم يستطيعون أن يشتروا بوجوههم بالأجل بثقة الناس بهم ، فيشترون بضاعة إلى أجل سويا ثم يبيعونها سويا ، ويردون الدين إلى أصحابه ، ويصبح الربح لهم .
رابعاً : شركة الأبدان :
ويعرفها العلماء بأن يشتركا فيما يتملكان بأبدانها من المباح ، كالحشيش ، والاحتطاب ، والاصطياد ، وهذا النوع من الشركات ليس فيه رأس مال ، فكلاهما يعمل من كسب يده ، كصيادي سمك على سبيل المثال ، يذهبان سويا وما يصيدانه يضعانه سويا ، ثم يقسمانه فيما بينهما أو يبيعانه ويقتسمان الثمن.
خامساً: شركة المفاوضة :
وهي أن يفوض كل من الشريكين الآخر بأن يبيع ويشتري ويتصرف في سائر المعاوضات في رأس المال ، وتقبل ما يرى من الأعمال ، وهي يمكن أن تسري أيضا في الشركات كلها .
فشركة العنان قد يكون فيها مفاوضة ، وكذلك سائر الشركات السابقة .
والأصل أن أنواع الشركات أربع ( مضاربة ، وجوه ، عنان ، أبدان ) وقد يكون بين الشريكين عدة أنواع من الشركات فلا إشكال في ذلك ، فقد يكون بينهما عنان ومضاربة ، بأن يضع أحدهم ألفي دينار ، ويضع الآخر ألفان وعليه العمل ، وقد أصبحا شريكين بالعنان والمضاربة ، وهذا جائز لا إشكال فيه .
وقد تجتمع الأنواع الأربعة في شركة واحدة عملاقة ، ويمكن ضبط كل المعاملات بالحاسوب ، والمقصود أنها مهما اختلطت ومهما تداخلت ، فلا إشكال فيها ، فما لم تتضمن عقودا وشروطا تخالف الشرع فهي مباحة ، والأصل في المعاملات الإباحة.
الاقتصاد الإسلامي في عامته حديث عن البنوك الإسلامية ، عن أهدافها ومصادر الأموال فيها ، وعن الخدمات التي تقدمها والأحكام الشرعية المتعلقة بذلك .
وأصل فكرة البنوك مستوردة من غير المسلمين ، ولا آتي بجديد إن قلت إنك لو فتحت المصادر الفقهية كالمغني وروضة الطالبين والهداية والمدونة ، فلن تجد حديثا عن المصارف أو البنوك.
غير أن المسلمين حين رأوا غيرهم ، قد أسسوا مصارف وأنها تؤدي أعمالا وخدمات ضرورية للناس ، أدركوا أن وجود بديل إسلامي للمصارف ، ضرورة لابد منها ، وذلك بأن نأخذ هذه الفكرة التي أحدثها غير المسلمين ، ونجعل منها صورة إسلامية .
فإن قال قائل : ألا يكون هذا من قبيل التشبه بالكفار ، فالجواب أن اتخاذ وسائل التعامل وتنظيم الحياة ، إن لم يكن لها علاقة بالعقيدة ولا كانت شعارا للكفار يميزهم عن غيرهم ، بحيث من فعله ، يكون متشبها بهم ، بل كانت شأنا عاماً ينظم الحياة ، ويدير شؤون الناس ، عند الكفار وغيرهم ، فإن فعله ليس من قبيل التشبه بالكفار ، والنبي صلى الله عليه وأصحابه ، سلكوا وسائل كثيرة كانت تستعمل عند غير المسلمين ، سلكوها لتحقيق أهداف الإسلام ، فلاحرج في ذلك ، لأنه ليس من قبيل التشبه بالكفار المحرم في شريعتنا .