تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السبب الخامس :

أن يشتمل العقد على ما يجب بذله ولا يجوز للمسلم المعاوضة عليه ، مثل بيع الماء حيث يشترك الناس فيه ، والكلأ ، والنار كذلك ، وعسب الفحل أي إعارة الفحل للتلقيح مقابل عرض ، وكل ما ورد النهي عن بيعه لأنه يجب بذله ، فلا يجوز أن يعقد عليه عقد البيع .

ومن الأمثلة على هذا أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله سئل عن قوم ينقلون النحل من بلد إلى بلد ، فهل يحل لأهل البلد أن يأخذوا منهم أجرة ما جنته النحل عندهم ؟؟

فأجاب : (( الحمد لله ، لاحق على أهل النحل لأهل الأرض التي يجنى منها ، فإن ذلك لا ينقص من ملكهم شيئا ، ولكن العسل من الطلول التي هي من المباحات ... وهذه الطلول هي أحق بالبذل من الكلأ ، فإن هذه الطلول لايمكن أن يجمعها إلا النحل ، ولكن إذا كان لصاحب الأرض فنحله أحق بالجناء في أرضه ، فإذا كان جنى تلك النحل تضربه ، فله المنع من ذلك ، والله أعلم )) [مجموع الفتاوى 29/220]

السبب السادس :

أن يشتمل البيع على مالا يملكه الإنسان ، مثل بيع سلعة عند غيره ، وبيع الأعضاء البشرية ، ونحو ذلك ، ولكن يجوز التبرع بالأعضاء البشرية بشرط أن يكون المتبرع له مضطرا تتوقف حياته على زرع العضو ، وأن لا يعرض المتبرع حياته للخطر بسبب التبرع فإن الله تعالى قال ﴿ ولاتلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ ، فإن كان المأخوذ منه العضو ميتا ، فإنه يشترط أن تتوقف حياة المريض على أخذ العضو من الميت .

السبب السابع :

أن يشتمل البيع على الربا وهذا سنفصله لاحقا .

السبب الثامن :

أن يشتمل البيع على حيلة على الربا ، أو ذرائع إلى الربا ، مثل بيع العِينة ، وهي أن يبيع السلعة إلى أجل ثم يعود فيشتريها بسعر أقل حاضرا ممن باعه .

السبب التاسع :

وزاد بعض العلماء أن يشتمل البيع على مالا نفع فيه ، ومثلوا له ببيع السنور ( القط ) لأنه صح النهي عن بيعه في صحيح مسلم ، وقيل إن هذا القسم يمكن أن يدخل فيما يجب بذله .

يرك ، إلا بعد أن تعرضها عليه ، أو اشتريت سلعة بشرط إن نفقت وإلا رددتها على البائع ، فالأصل إباحة هذه الشروط وتلزم بالعقد ، وكذلك إذا شرط المشتري على البائع أكثر من شرط ولكنها مباحة في الأصل ، كل ذلك جائز وصحيح ولازم ، لأنه لم يرد نص في تحريمها . وقد أورد العلماء القائلون بأن الأصل في الشروط التحريم عدة أدلة : 1– منها حديث ( كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط) [متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها ]. 2– حديث (نهى عن بيع وشرط ) . 3 – حديث ( نهى عن بيع وسلف وعن شرطين في بيع). ورد عليهم شيخ الإسلام ابن تيميه بما يلي : قال رحمه الله " القول الثاني أن الأصل في العقود والشروط : الجواز والصحة ولا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وبطلانه ، نصا أو قياسا ، عند من يقول به ، وأصول أحمد المنصوصة عنه : أكثرها يجري على هذا القول ومالك قريب منه ، ولكن أحمد أكثر تصحيحا للشروط ، فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحا للشروط منه .... هذا القول هو الصحيح : بدلالة الكتاب والسنة ، والإجماع ، والاعتبار مع الاستصحاب ، وعدم الدليل المنافي . أما الكتاب فقد قال تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ﴾ والعقود هي العهود ، وقال تعالى : ﴿ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ﴾ وقال تعالى ﴿ وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا ﴾ فقد أمر الله بالوفاء بالعقود ، وهذا عام ، وكذلك أمر بالوفاء بعهد الله وبالعهد ، وقد دخل في ذلك ما عقده المرء على نفسه ، بدليل قوله تعالى ﴿ ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل ﴾ فدل على أن عهد الله يدخل فيه ما عقده المرء على نفسه ، وإن لم يكن الله قد أمر بنفس ذلك المعهود عليه قبل العهد ، كالنذر والبيع ، إنما أمر بالوفاء به ، وهذا قرنه الصدق في قوله ﴿ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ﴾ ...وإذا كان جنس الوفاء ورعاية العهد مأمورا به ، علم أن الأصل صحة العقود والشروط ، إذ لا معنى للتصحيح إلا ما ترتب عليه أثره ، وحصل به مقصوده ، ومقصود العقد : هو الوفاء به ، فإذا كان الشارع قد أمر بمقصود العهد ، دل على أن الأصل فيها الصحة والإباحة " وأجاب على الاحتجاج بحديث ( ليس في كتاب الله ) بقوله : " وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل ، وإن كان مائة شرط ، كتاب الله أحق ، وشرط الله أوثق ) فالشرط يراد به المصدر تارة ، والمفعول أخرى ، وكذلك الوعد والخلف ، ومنه قولهم درهم ضرب الأمير ، والمراد به هنا ـ والله أعلم ـ المشروط ، لا نفس المتكلم ، ولهذا قال : ( وإن كان مائة شرط ) أي : وإن كان مائة مشروط ، وليس المراد تعديد التكلم بالشرط ، وإنما المراد تعديد المشروط ، والدليل على ذلك قوله : ( كتاب الله أحق ، وشرط الله أوثق) ، أي : كتاب الله أحق من هذا الشرط ، وشرط الله أوثق منه ، وهذا إنما يكون إذا خالف ذلك الشرط كتاب الله وشرطه ، بأن يكون المشروط مما حرمه الله تعالى ، وأما إذا كان المشروط مما لم يحرمه الله تعالى ، فلم يخالف كتاب الله وشرطه ...... فمضمون الحديث : أن المشروط إذا لم يكن من الأفعال المباحة ، أو يقال : ليس في كتاب الله : أي ليس في كتاب الله نفيه ، كما قال ( سيكون أقوام يحدثونكم بما لم تعرفوا أنتم ولا آباؤكم ) أي : بما تعرفون خلافه ، وإلا فما لا يعرف كثير " [مجموع الفتاوى 29/ 132ـ161] ومعنى كلامه أن مقصود حديث ( كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ) أي كل مشروط حرمته الشريعة ، فهو باطل ، وليس مقصوده أن كل شرط زائد على العقد محرم إلا ما كان منصوصا عليه . أما الحديث الثاني : وهو حديث ( نهى عن بيع وشرط ) فهو حديث لا أصل له فلا يحتج به . أما الحديث الثالث : وهو حديث ( نهى عن شرطين في بيع ) قال ابن القيم : إن الصحيح أن الشرطين في البيع هما البيعتان في البيعة ، وهو بيع العينة ، وهو أن يحتاج الشخص للنقد ، فيأتي شخصا آخر ، ويقول له : أبيعك سيارتي بثلاثة آلاف نقدا وأشتريها منك بخمسة مقسطة . قال ابن القيم رحمه الله في تعليقه على معالم السنن بعد ذكر الأقوال في تفسير حديث ( نهى عن شرطين في بيع ) : "فإذا تبين هذه الأقوال فالأولى تفسير كلام النبي صلى الله عليه وسلم بعضه ببعض . فنفسر كلامه بكلامه . فنقول : نظير هذا نهيه صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة , وعن بيعتين في بيعة . فروى سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة ) . وفي السنن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( من باع بيعتين في بيعه فله أوكسهما , أو الربا ) . وقد فسرت البيعتان في البيعة بأن يقول ( أبيعك بعشرة نقدا , أو بعشرين ونسيئة) هذا بعيد من معنى الحديث من وجهين . أحدهما : أنه لا يدخل الربا في هذا العقد . الثاني : أن هذا ليس بصفقتين , إنما هو صفقة واحدة بأحد الثمنين . وقد ردده بين الأوليين أو الربا . ومعلوم أنه إذا أخذ بالثمن الأزيد في هذا العقد لم يكن ربا . فليس هذا معنى الحديث . وفسر بأن يقول " خذ هذه السلعة بعشرة نقدا وآخذها منك بعشرين نسيئة وهي مسألة العينة بعينها . وهذا هو المعنى المطابق للحديث . فإنه إذا كان مقصودة الدراهم العاجلة بالآجلة فهو لا يستحق إلا رأس ماله , وهو أوكس الثمنين فإن أخذه أخذ أوكسهما , وإن أخذ الثمن الأكثر فقد أخذ الربا . فلا محيد له عن أوكس الثمنين أو الربا . ولا يحتمل الحديث غير هذا المعنى وهذا هو بعينه الشرطان في بيع . فإن الشرط يطلق على العقد نفسه . لأنهما تشارطا على الوفاء به فهو مشروط , والشرط يطلق على المشروط كثيرا , كالضرب يطلق على المضروب , والحلق على المحلوق والنسخ على المنسوخ . فالشرطان كالصفقتين سواء . فشرطان في بيع كصفقتين في صفقة : وإذا أردت أن يتضح لك هذا المعنى فتأمل نهيه صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر عن بيعتين في بيعة , وعن سلف وبيع . رواه أحمد . ونهيه في هذا الحديث عن شرطين في بيع وعن سلف في بيع فجمع السلف والبيع مع الشرطين في البيع , ومع البيعتين في البيعة . وسر ذلك : أن كلا الأمرين يؤول إلى الربا , وهو ذريعة إليه . أما البيعتان في بيعة : فظاهر , فإنه إذا باعه السلعة إلى شهر ثم اشتراها منه بما شرطه له , كان قد باع بما شرطه له بعشرة نسيئة . ولهذا المعنى حرم الله ورسوله العينة . وأما السلف والبيع : فلأنه إذا أقرضه مائة إلى سنة , ثم باعه ما يساوي خمسين بمائة : فقد جعل ذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل , ولولا هذا البيع لما أقرضه ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك . فظهر سر قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يحل سلف وبيع , ولا شرطان في بيع ) وقول ابن عمر " نهى عن بيعتين في بيعة وعن سلف وبيع " واقتران إحدى الجملتين بالأخرى لما كانا سلما إلى الربا . ومن نظر في الواقع وأحاط به علما فهم مراد الرسول صلى الله عليه وسلم من كلامه , ونزله عليه . وعلم أنه كلام من جمعت له الحكمة , وأوتي جوامع الكلم , فصلوات الله وسلامه عليه , وجزاه أفضل ما جزى نبيا عن أمته " انتهى. *** واليوم يحدث هذا البيع ـ أعني شرطين في بيع أو بيعتين في بيعة ـ بطريق الحيلة ، فيذهب اثنان إلى البنك الإسلامي ، يقول أحدهما أريد أن أبيع سيارتي على فلان تظاهرا فقط ، ثم ترد السيارة على صاحبها بعد انتهاء المعاملة ، الهدف أن

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٥٩