ولذا فإنَّ التقدم الحقيقيّ في دِراسة الاقتصادِ الإسلاميّ إنما يجيء في الدّرجَة الأولى من خلالِ رَبطِه بالقيَم والمبادئ الإسلامية، والاحتفاظِ له بالصِّبغة التي أرادها الله، وعدمِ مَسخه وتشويهه بوضعِه في قوالب الاقتصادِ الوضعيّ.
ومما يدلُّ على ما ذكرناه بأنَّ الإسلام ينظر إلى النشاطِ الاقتصاديّ المتعلّق باستخدام الملكيّة والتصرّف فيها على أنه محدودٌ بما شرع الله وما نهى عنه، وهو قولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ [البقرة:278، 279]، بل قد جاء في الشّرع ما يدلّ على أنّ فسادَ حالِ المسلمين وذلَّهم وضعفَهم وتمكّنَ عدوِّهم منهم قد يكون بسبَبِ ما يرتكبونه من مخالفاتٍ في أسواقهم الماليّة، فقد قال : ((إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم وتبايَعوا بالعينة وتبِعوا أذنابَ البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم ذلاًّ، فلم يرفعه عنهم حتى يراجِعوا دينَهم)) رواه الإمام أحمد ورجاله ثقات وصحّحه ابن القطان(2)[2].
وبعد يا رعاكم الله، فإنّ الاقتصاد الإسلاميَّ ليحتاج في النهوض به إلى المستوى المطلوبِ إلى جهودِ المخلصين من العلماء وأهلِ الاقتصاد، ومساهمتهم الجادّة في إيجادِ المفتاح المدخَلِيّ للاقتصاد الإسلامي الصحيح، مع مراعاة فِقهِ هذه المعضِلة في تركيبها الواقعيّ وتشكيلها الاجتماعي، وكذا مراعاة الخضوعِ للخطوات المشهورة في كلِّ دراسة جادّة، وهي أن تُبنَى على الملاحظة والافتراضِ والتجريب والوصول، أو بمعنى آخر: تخضَع لاستخدامِ المنهج الاستقرائيّ والاستنباطيّ بهدفِ الوصول إلى كشف العلّة الكامنة والسّببِ القابِع وراء ضمور الاقتصادِ الإسلاميّ في مقابِل ضدّه. وهذا الأمر يتطلَّب منّا أن نبحَث في المنهج النبويّ كسبيلٍ أساس لكشفِ سنَنِ الهداية والإرشاد انطلاقًا من قوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275]، وقوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29].
بارَك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعَني وإياكم بما فيهِ من الآيات والذّكر الحكيم، قد قُلْتُ ما قُلْتُ، إن صوابًا فمِن الله، وإن خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنّه كان غفارًا.
الخطبة الثانية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده.
وبعد: فاتَّقوا الله معاشرَ المسلمين، واعلَموا أنّ المشكلاتِ الاقتصاديةَ التي يواجِهها العالم الإسلاميّ اليوم ما هي إلا بسبَب غيابِ المنهج الاقتصاديّ الإسلاميّ الصحيح، والذي يتناول تنظيمَ جوانب النشاط الاقتصاديّ في الحياة العامّة بعدلٍ وتعاون وتكافل وإحسان، والتي من خِلالها تتحقَّق المصالح للأمة وتُدْرَأُ المفاسد عنها. وإنَّ التطبيقاتِ المعاصرةَ في المؤسَّسات الماليّة الإسلامية في مجال المصارِف والتأمين لفي حاجةٍ ماسّة إلى إدراك المجتمعاتِ والحكومات والسّلُطات الرقابية لقيمتها والأثر الإيجابيّ في دعمِها وتطبيقها.
وإذا ما أردنا إذكاءَ مثل ذلكم النشاط الاقتصاديّ الصحيح فعلينا جميعًا أن لا نهمِلَ عنصرين مهمَّين في هذا الميدان الواسع، ألا وهما عنصرُ الزكاة وعنصر الوقف؛ إذ بهما يتحقَّق الدعم اللاَّمحدود لِتحقيق الأمن الاقتصاديّ والاجتماعي للأمة. يضاف إلى ذلكم ـ عِباد الله ـ الوعيُ التامّ في التعامل مع العولمة الاقتصاديّة، والتي أصبحت واقعًا يفرِض نفسَه على العالم أجمع؛ ما يؤكِّد التعاونَ الاقتصاديّ البنّاء بين الدول الإسلاميّة لزيادةِ التبادل التجاريّ بينها وإنشاء سوق إسلامية مشترَكَة تنافِس الأسواقَ الماليّة العالميّة؛ لأنَّ مستقبلَ المسلمين يجب أن يُصْنَع في بلادهم وعلى أرضهم بكدحِهم وأخلاقهم حتى لا يقَعوا فريسةً لأخلاق التسوُّل الفكريّ الاقتصاديّ بكل صنوفه في طاقاتهم ومقدَّراتهم؛ لأنَّ أيَّ أمّة تبنِي مستقبلَها على مثل ذلكم التسوُّل فهي أمة ضائِعة في تيهِ العقلِ الشحّاذ، فأنَّى لها حينئذ الاستقرار أو الظهور؟! هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك:15].