تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن هنا فقدْ حرِصَ الإسلام أشَدّ الحرص على توفيرِ ضمانات أو رَكائز لتحقيقِ هذه التنميَة الاقتصادية واستمرارها، ولعل من أبرزِها تحقيق الاستقلال الاقتصاديّ والتنمية المستقلَّة لدى المجتمع المسلم؛ ليكون قائدًا لا منقادًا، ومَتبوعًا مِنْ قِبَلِ غيرِه لا تابعًا. والاستقلالُ الاقتصاديّ يعني بداهةً نفيَ التبعيةِ الاقتصاديّة للأجنبي وسيطرةَ المجتمع المسلِم على مقدَّراتِ بِلاده الاقتصاديّة دون تدخُّلٍ أجنبيّ؛ لأن فقدانَ السيطرة الاقتصادية فقدانٌ لما عداه من السيطرة السياسيةِ والعسكرية والاجتماعية والثقافيةِ؛ ولذا فإنّ التنميةَ الاقتصادية لدى المجتمع المسلم لا يمكِن أن تتمّ دونَ الاستقلال الاقتصاديّ والتنمية المحلّيّة.

إنَّ الأمة الإسلاميةَ في هذا العصرِ لتكتوِي بلهيب من الفوضَى الاقتصادية والضَّعف التنمويّ، كما أنها تعيش فسادًا اقتصاديًّا يدبّ دبيبًا ويتسلَّل لواذًا بين الحين والآخَر عبر منافذِه الرئيسة في المجتمعاتِ المسلمة، وهي منافذُ التسلّل الفرديّ والمؤسَّسي والمنتظم. وإنَّ اتساع مثل هذه المنافذ لكفيلٌ بتفعيل البلبلة والخلخلَة المسبِّبين عدمَ الاستقرار السياسيّ والاجتماعي، والنتيجةُ التالية لمثل ذلكم تخلّفٌ ذريع في السوق الماليّة والنمو وضَعف اقتصادي فادح بالمسلمين.

وإنَّ كثيرًا من الدراسات الحديثة لتؤكِّد وجودَ علاقة عكسية بين الفساد الاقتصادي وبين النمو. ومن هنا فإنّ الأمة الإسلاميّة لو أخذَت بالمعنى الحقيقيّ للاقتصادِ الإسلاميّ لما حادَتْ عن الجادّة، ولما عاشَت فوضَى التخبّط واللهث وراءَ المغريَات المالية من خلالِ التهافُت على ما يسمَّى بسوق البورصَة والمرابحات الدوليّة التي لم تُحْكَمْ بالأُطُر الشرعية، وفوضَى التخبّط أيضًا في سوء الموازنة وعدم إحكامِ القروض المالية في الحاجيات والتحسينيّات؛ ما يسبِّب تراكمَ الديون على مجتمَعاتٍ لا تطيق حملها، ولذا فإنّ التنميّة الاقتصادية الإسلاميةَ لا تعترِف بتنمية الإنتاجِ الاقتصاديّ في معزِل عن حُسن توزيعه، كما أنّ جهودَ وأهداف الاقتصاد الإسلاميّ يجب أن تكونَ مصاغة بعنايةٍ فائقة للقضاءِ قدرَ الطاقة على فاقةِ الفرد المسلم وبطَالَته وأمِّيّته ومعاناتِه السّكنيّة والصّحّية.

ولو تأمَّل الناس حقيقةَ المفهوم الاقتصاديّ الإسلامي لما وقعوا في مثلِ هذه الفوضَى ومثل ذلكم التخبّط؛ لأنَّ كلمة الاقتصاد في الأصل مأخوذةٌ من القَصد، وهو الاستقامة والعَدل والتوازُن في القول والعمل، وفي الإيراداتِ والصّادرات وفي الكَسب والإنفاق. فالاقتصاد الإسلاميّ هو في الحقيقةِ توازنٌ في التنمية واعتدالٌ في السوق الماليّة، يحمل المجتمعَ المسلم إلى الاعتدال والموازنَة دون إفراطٍ أو تفريط؛ ولذا ـ عبادَ الله ـ كان واجبًا على المجتمعات المسلمة أن تَسعى جاهدةً إلى أَسلَمَة الاقتصاد والتنمية من خلالِ توحيد المصدر، وهو كتاب الله وسنّةُ رسوله ؛ لأنَّ العقيدة الصحيحةَ وصحّة المصدر كفيلان في إحسانِ تشغيلِ المُلكية على مستوَى الأفراد والشعوب.

وقد يتعجَّب بعض السُّذَّج من مثلِ هذا الطَّرح نظرًا لفَهمِه القاصر على أنّ الاقتصادَ يخضع لضَوابِط ومعايير تُتَرجَم في صِيَغٍ رياضيةٍ فحسب. وللرّدّ على مثلِ هذا الفهم القاصر نقول: إنّ النظام الاقتصاديَّ المهيمن في عالمنا المعاصِر كان في الأصل قد وجِد في بيئةٍ ملائمة له لدى غَير المسلمين، وذلك بعد أن تغيَّرت لديهم مجموعةُ المبادئ والقِيَم التي كانت تحكم تفكيرَهم وسلوكهم، وذلك بأخذِهم بالفلسفة الفرديّة كحَلَقة فلسفيّة تحكم التفكيرَ وتحدُّه بمعيار المصلحة الخاصّة دونَ النظرِ إلى ما سِوى تِلكم المصلحَة الخاصة، ومن هنا صارَتِ النظرة الأجنبيّة للاقتصاد مذبذبةً بين تحليلٍ اشتراكيّ وتحليل رأسمالي. وهذا دليل واضح على تأثيرِ الاعتقاد أيًّا كان نوعه على التنمية الاقتصادية.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٣٢