تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فَقُلْنَا : كَلًّا , مَا الصَّلاَحُ فِيمَا ذَكَرْتُمْ إِلاَّ كَالْفَسَادِ فِيمَا وَصَفْتُمْ , وَمَا فِي ذَلِكَ صَلاَحٌ , وَلاَ فِي هَذَا فَسَادٌ , وَلَوْ كَانَ فَسَادًا لَمَا حَلَّ أَصْلاً ; لأََنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : وَاَللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ وَهَذِهِ أَيْضًا مُنَاقَضَاتٌ ظَاهِرَةٌ , وَأَقْوَالٌ لاَ نَعْلَمُ أَحَدًا سَبَقَهُمْ إلَيْهَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ ، وَلاَ نَعْلَمُ أَحَدًا قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ مَنَعَ مِنْ بَيْعِ الزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ يَدًا بِيَدٍ , سَوَاءٌ كَانَ أَكْثَرَ مَا فِي الزَّيْتُونِ مِنْ الزَّيْتِ , أَوْ مِثْلَهُ أَوْ أَقَلَّ.

قال أبو محمد رحمه الله : وَالْحَقِيقَةُ الَّتِي تَشْهَدُ لَهَا اللُّغَةُ , وَالشَّرِيعَةُ , وَالْحِسُّ , فَهُوَ أَنَّ الدَّقِيقَ لَيْسَ قَمْحًا ، وَلاَ شَعِيرًا , لاَ فِي اسْمِهِ , وَلاَ فِي صِفَتِهِ , وَلاَ فِي طَبِيعَتِهِ. فَهَذِهِ الدَّوَابُّ تُطْعَمُ الدَّقِيقَ وَالْخُبْزَ فَلاَ يَضُرُّهَا بَلْ يَنْفَعُهَا , وَتُطْعَمُ الْقَمْحَ فَيُهْلِكُهَا , وَالدَّبْسُ لَيْسَ تَمْرًا , لاَ فِي لُغَةٍ , وَلاَ فِي شَرِيعَةٍ , وَلاَ فِي مُشَاهَدَةٍ. وَلاَ فِي اسْمِهِ , وَلاَ فِي صِفَاتِهِ. وَالْمَاءُ لَيْسَ مِلْحًا ; لأََنَّهُ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ , وَلاَ يَجُوزُ بِالْمِلْحِ. وَلَيْسَ تَوْلِيدُ اللَّهِ تَعَالَى شَيْئًا مِنْ شَيْءٍ بِمُوجِبِ أَنَّ الْمُتَوَلِّدَ هُوَ الَّذِي عَنْهُ تُوُلِّدَ , فَنَحْنُ خُلِقْنَا مِنْ تُرَابٍ , وَنُطْفَةٍ , وَمَاءٍ , وَلَسْنَا نُطْفَةً , وَلاَ تُرَابًا , وَلاَ مَاءً. وَالْخَمْرُ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ الْعَصِيرِ وَهِيَ حَرَامٌ وَالْعَصِيرُ حَلاَلٌ. وَاللَّبَنُ مُتَوَلِّدٌ ، عَنِ الدَّمِ وَاللَّبَنُ حَلاَلٌ وَالدَّمُ حَرَامٌ. وَالْعَذِرَةُ تَسْتَحِيلُ تُرَابًا حَلاَلاً طَيِّبًا. وَالدَّجَاجَةُ تَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ فَيَصِيرَانِ فِيهَا لَحْمًا حَلاَلاً طَيِّبًا. وَالْخَلُّ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الْخَمْرِ وَهُوَ حَلاَلٌ وَهِيَ حَرَامٌ.

وَأَمَّا حُلِيُّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَهُمَا ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ بِاسْمَيْهِمَا وَصِفَاتِهِمَا وَطَبِيعَتِهِمَا فِي اللُّغَةِ وَفِي الشَّرِيعَةِ [ وَاحِدٌ ] وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ

1494- مَسْأَلَةٌ : وَمَنْ بَاعَ ذَهَبًا بِذَهَبٍ بَيْعًا حَلاَلاً , أَوْ فِضَّةً بِفِضَّةٍ كَذَلِكَ , أَوْ فِضَّةً بِذَهَبٍ كَذَلِكَ , مَسْكُوكًا بِمِثْلِهِ أَوْ مَصُوغَيْنِ , أَوْ مَصُوغًا بِمَسْكُوكٍ , أَوْ تِبْرًا أَوْ نَقَّارًا , فَوَجَدَ أَحَدَهُمَا بِمَا اشْتَرَى مِنْ ذَلِكَ عَيْبًا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا , وَقَبْلَ أَنْ يُخَيِّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ , وَإِنْ شَاءَ اسْتَبْدَلَ ; لأََنَّهُ لَمْ يَتِمَّ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ بَعْدُ , فَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَأْنِفٌ لِبَيْعٍ ، عَنْ تَرَاضٍ أَوْ تَارِكٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

1495- مَسْأَلَةٌ : فَإِنْ وَجَدَ الْعَيْبَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ بِالأَبْدَانِ , أَوْ بَعْدَ التَّخْيِيرِ وَاخْتَارَ الْمُخَيَّرُ إتْمَامَ الْبَيْعِ فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ خَلْطٍ وَجَدَهُ مِنْ غَيْرِ مَا اشْتَرَى , لَكِنْ كَفِضَّةٍ أَوْ صُفْرٍ فِي ذَهَبٍ , أَوْ صُفْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي فِضَّةٍ , فَالصَّفْقَةُ كُلُّهَا مَفْسُوخَةٌ , مَرْدُودَةٌ , كَثُرَتْ أَمْ قَلَّتْ , قَلَّ ذَلِكَ الْخَلْطُ أَمْ كَثُرَ ; لأََنَّهُ لَيْسَ هُوَ الَّذِي اشْتَرَى , وَلاَ الَّذِي عَقَدَ عَلَيْهِ الصَّفْقَةَ , فَلَيْسَ هُوَ الَّذِي تَرَاضَى بِالْعَقْدِ عَلَيْهِ وَقَدْ تَفَرَّقَا قَبْلَ صِحَّةِ الْبَيْعِ. وَلاَ يَجُوزُ فِيمَا يَقَعُ فِيهِ الرِّبَا إِلاَّ صِحَّةُ الْبَيْعِ بِالتَّفَرُّقِ , وَلاَ خِيَارَ فِي إمْضَائِهَا ; لأََنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ نَصٌّ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٣٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٣٠٤