وَكَذَلِكَ فِي الْفِضَّتَيْنِ ; وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ , إِلاَّ مَا ذَكَرْنَا ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَإِلَّا بَيْعَ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ , أَوْ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ , فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ , وَابْنَ مَسْعُودٍ , وَمَنْ وَافَقَهُمَا : أَجَازُوا فِيهِمَا التَّفَاضُلَ يَدًا بِيَدٍ وَإِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ , وَالشَّافِعِيَّ : أَجَازَا بَيْعَ كُلِّ ذَلِكَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ وَأَجَازَا تَأْخِيرَ الْقَبْضِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا ,
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ ، عَنْ عُمَرَ قَبْلُ هَذَا بِخِلاَفِ قَوْلِهِمْ وَإِلَّا أَنَّ مَالِكًا لاَ يُجِيزُ الْجُزَافَ فِي الدَّنَانِيرِ , وَلاَ فِي الدَّرَاهِمِ , بَعْضُهَا بِبَعْضٍ , وَيُجِيزُهُ فِي الْمَصُوغِ مِنْ أَحَدِهِمَا بِالْمَصُوغِ مِنْ الآخَرِ , وَيُجِيزُ إعْطَاءَ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمٍ أَوْ وَزْنٍ مِنْهُ , عَلَى سَبِيلِ الْمُكَارَمَةِ.
فأما قَوْلُ مَالِكٍ هَذَا , وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ , وَالشَّافِعِيِّ , فَلاَ حُجَّةَ لِشَيْءٍ مِنْهَا , لاَ مِنْ قُرْآنٍ , وَلاَ مِنْ سُنَّةٍ , وَلاَ مِنْ رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ , وَلاَ مِنْ قِيَاسٍ , وَلاَ مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ , بَلْ هُوَ خِلاَفُ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي ذَكَرْنَا آنِفًا مِنْ أَمْرِهِ عليه السلام أَنْ نَبِيعَ الْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْنَا يَدًا بِيَدٍ.
برهان ذَلِكَ : أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ لاَ يُبَاعَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ بِشَيْءٍ مِنْ نَوْعِهِمَا , إِلاَّ عَيْنًا بِعَيْنٍ , وَزْنًا بِوَزْنٍ , وَأَنْ لاَ يُبَاعَ شَيْءٌ مِنْ الأَصْنَافِ الأَرْبَعَةِ بِشَيْءٍ مِنْ نَوْعِهِ إِلاَّ كَيْلاً بِكَيْلٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ , فَإِذَا كَانَ فِي أَحَدِ الأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ خِلْطٌ أَوْ شَيْءٌ مُضَافٌ إلَيْهِ فَلاَ سَبِيلَ إلَى بَيْعِهِ بِشَيْءٍ مِنْ نَوْعِهِ عَيْنًا بِعَيْنٍ , وَلاَ كَيْلاً بِكَيْلٍ , وَلاَ وَزْنًا بِوَزْنٍ , لأََنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ أَصْلاً. فَقَالَ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ : إذَا عَلِمْنَا وَزْنَهُ أَوْ كَيْلَهُ : جَازَ بَيْعُهُ بِشَيْءٍ مِنْ نَوْعِهِ أَكْثَرَ وَزْنًا أَوْ كَيْلاً مِنْهُ , فَيَكُونُ مِقْدَارُ وَزْنِهِ بِهِ , أَوْ مِقْدَارُ كَيْلِهِ كَذَلِكَ , وَيَكُونُ الْفَضْلُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ : مِثَالُ ذَلِكَ : دِينَارٌ فِيهِ حَبَّةُ فِضَّةٍ فَيُبَاعُ بِدِينَارٍ ذَهَبٍ صِرْفٍ , فَيَكُونُ مِنْ هَذَا الدِّينَارِ الصِّرْفِ دِينَارٌ غَيْرُ حَبَّةٍ بِإِزَاءِ الذَّهَبِ الَّذِي فِي ذَلِكَ الدِّينَارِ الَّذِي فِيهِ حَبَّةُ فِضَّةٍ , وَيَكُونُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ ذَهَبِ هَذَا الدِّينَارِ بِالْحَبَّةِ الْفِضَّةُ.
وَكَذَلِكَ الدِّرْهَمُ يَكُونُ فِيهِ رُبُعُهُ أَوْ ثُلُثُهُ أَوْ نِصْفُهُ صُفْرًا فَيُبَاعُ بِدِرْهَمِ فِضَّةٍ مَحْضَةٍ , فَيَكُونُ مَا فِي هَذَا الدِّرْهَمِ مِنْ الْفِضَّةِ بِإِزَاءِ وَزْنِهِ مِنْ ذَلِكَ الدِّرْهَمِ الآخَرِ مِنْ الْفِضَّةِ , وَيَكُونُ الصُّفْرُ الَّذِي مَعَ هَذِهِ الْفِضَّةِ بِإِزَاءِ مَا بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ الآخَرِ مِنْ الْفِضَّةِ وَهَكَذَا فِي الأَرْبَعَةِ الأَصْنَافِ الْبَاقِيَةِ.
قال أبو محمد رحمه الله : .
فَقُلْنَا : إنْ كُنْتُمْ تَخَلَّصْتُمْ بِهَذِهِ النِّيَّةِ مِنْ الْوَزْنِ , فَلَمْ تَتَخَلَّصُوا مِنْ التَّعْيِينِ ; لأََنَّهُ لاَ يُعْرَفُ أَيُّ فِضَّةٍ هَذَا الدِّرْهَمُ بِعْتُمْ بِفِضَّةِ ذَلِكَ الآخَرِ وَقَدْ افْتَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ لاَ يَحِلُّ ذَلِكَ إِلاَّ عَيْنًا بِعَيْنِ , فَكَيْفَ وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا نَصٌّ