فَقُلْنَا : هَذَا أَوَّلُ الْخَطَأِ , إنْ كَانَ الْقِيَاسُ بَاطِلاً فَمَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَقِيسُوا عَلَى الأَرْبَعَةِ الْمَأْكُولَةِ الْمَذْكُورَةِ غَيْرَهَا , وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا فَمَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَدَعُوا الذَّهَبَ , وَالْفِضَّةَ : دُونَ أَنْ تَقِيسُوا عَلَيْهِمَا , كَمَا فَعَلْتُمْ فِي الأَرْبَعَةِ الْمَأْكُولَةِ ، وَلاَ فَرْقَ , فَقِيسُوا عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كُلَّ مَوْزُونٍ كَمَا فَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ , أَوْ كُلَّ مَعْدِنِيٍّ , فَإِنْ أَبَيْتُمْ وَعَلَّلْتُمْ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ بِالتَّثْمِينِ
قلنا : هَذَا عَلَيْكُمْ لاَ لَكُمْ ; لأََنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ فَهُوَ ثَمَنٌ صَحِيحٌ لِكُلِّ شَيْءٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ , بِإِجْمَاعِكُمْ مَعَ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ , وَلاَ نَدْرِي مِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَكُمْ الأَقْتِصَارُ بِالتَّثْمِينِ عَلَى الذَّهَبِ , وَالْفِضَّةِ , وَلاَ نَصَّ فِي ذَلِكَ , وَلاَ قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ وَهَذَا خَطَأٌ فِي غَايَةِ الْفُحْشِ , وَلاَزِمٌ لِلشَّافِعِيِّينَ , وَالْمَالِكِيِّينَ , لُزُومًا لاَ انْفِكَاكَ مِنْهُ.
وَأَيْضًا : فَمَا الَّذِي جَعَلَ عِلَّتَكُمْ بِأَوْلَى مِنْ عِلَّةِ الْحَنَفِيِّينَ الَّذِينَ عَلَّلُوا الأَرْبَعَةَ الأَصْنَافِ بِالْكَيْلِ , وَالذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ بِالْوَزْنِ وَقَالُوا : لَمْ يَذْكُرْ عليه السلام إِلاَّ مَكِيلاً أَوْ مَوْزُونًا , وَهَذَا مَا لاَ مُخَلِّصَ لَهُمْ مِنْهُ , وَحَاشَ لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ هَهُنَا عِلَّةٌ لَمْ يُبَيِّنْهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ , وَلاَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ عليه السلام , بَلْ تَرَكَنَا فِي ضَلاَلٍ وَدِينٍ غَيْرِ تَامٍّ , وَوَكَّلَنَا إلَى ظُنُونِ أَبِي حَنِيفَةَ , وَمَالِكٍ , وَالشَّافِعِيِّ , الَّتِي لاَ مَعْنَى لَهَا , هَذَا أَمْرٌ لاَ يَشُكُّ فِيهِ ذُو عَقْلٍ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : عِلَّةُ الرِّبَا هِيَ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ جِنْسَيْنِ فَقَطْ , فَإِذَا كَانَ الصِّنْفُ مَكِيلاً بِيعَ بِنَوْعِهِ كَيْلاً بِمِثْلِهِ يَدًا بِيَدٍ , وَلَمْ يَحِلَّ فِيهِ التَّفَاضُلُ ، وَلاَ النَّسِيئَةُ وَجَازَ بَيْعُهُ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنْ الْمَكِيلاَتِ مُتَفَاضِلاً يَدًا بِيَدٍ , وَلاَ يَجُوزُ فِيهِ النَّسِيئَةُ وَإِذَا كَانَ مَوْزُونًا جَازَ بَيْعُهُ بِنَوْعِهِ وَزْنًا بِوَزْنٍ نَقْدًا , وَلاَ يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ ، وَلاَ النَّسِيئَةُ , وَجَازَ بَيْعُهُ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنْ الْمَوْزُونَاتِ مُتَفَاضِلاً يَدًا بِيَدٍ , وَلاَ يَجُوزُ فِيهِ النَّسِيئَةُ إِلاَّ فِي الذَّهَبِ , وَالْفِضَّةِ , خَاصَّةً فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِهِمَا سَائِرُ الْمَوْزُونَاتِ نَسِيئَةً. وَجَائِزٌ بَيْعُ الْمَكِيلِ بِالْمَوْزُونِ مُتَفَاضِلاً وَمُتَمَاثِلاً نَقْدًا وَنَسِيئَةً , كَاللَّحْمِ بِالْبُرِّ , أَوْ كَالْعَسَلِ بِالتَّمْرِ , أَوْ الزَّبِيبِ بِالشَّعِيرِ , وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ. وَقَدْ رَغِبَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ عَنْ هَذِهِ الْعِلَّةِ بِسَبَبِ انْتِقَاضِهَا عَلَيْهِمْ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِسَائِرِ الْمَوْزُونَاتِ , فَلَجَأَ إلَى أَنْ قَالَ : عِلَّةُ الرِّبَا هِيَ وُجُودُ الْكَيْلِ , أَوْ الْوَزْنِ فِيمَا يَتَعَيَّنُ , فَمَا زَادُونَا بِهَذَا إِلاَّ جُنُونًا وَكَذِبًا بِدَعْوَاهُمْ أَنَّ الدَّنَانِيرَ , وَالدَّرَاهِمَ : لاَ تَتَعَيَّنُ , وَهَذِهِ مُكَابَرَةُ الْعِيَانِ.