تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بَيْعُ الْعَيْنِ بِالتِّبْرِ , وَالْمَصْنُوعِ بِغَيْرِهِ :

36 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ عَيْنَ الذَّهَبِ , وَتِبْرَهُ , وَالصَّحِيحَ , وَالْمَكْسُورَ مِنْهُ , سَوَاءٌ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ مَعَ التَّمَاثُلِ فِي الْمِقْدَارِ وَتَحْرِيمِهِ مَعَ التَّفَاضُلِ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَدْ حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُبَاعَ مِثْقَالُ ذَهَبٍ عَيْنٍ بِمِثْقَالٍ وَشَيْءٍ مِنْ تِبْرٍ غَيْرِ مَضْرُوبٍ , وَكَذَلِكَ حُرِّمَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْمَضْرُوبِ مِنْ الْفِضَّةِ وَغَيْرِ الْمَضْرُوبِ مِنْهَا , وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : ﴿ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا ﴾ . وَرُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ , وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ عَنْ مَالِكٍ , فِي التَّاجِرِ يُحَفِّزُهُ الْخُرُوجُ وَبِهِ حَاجَةٌ إلَى دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةٍ أَوْ دَنَانِيرَ مَضْرُوبَةٍ , فَيَأْتِي دَارَ الضَّرْبِ بِفِضَّتِهِ أَوْ ذَهَبِهِ فَيَقُولُ لِلضَّرَّابِ : خُذْ فِضَّتِي هَذِهِ أَوْ ذَهَبِي وَخُذْ قَدْرَ عَمَلِ يَدِك وَادْفَعْ إلَيَّ دَنَانِيرَ مَضْرُوبَةً فِي ذَهَبِي أَوْ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةً فِي فِضَّتِي هَذِهِ لِأَنِّي مَحْفُوزٌ لِلْخُرُوجِ وَأَخَافُ أَنْ يَفُوتَنِي مَنْ أَخْرُجُ مَعَهُ , أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِلضَّرُورَةِ , وَأَنَّهُ قَدْ عَمِلَ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ , وَحَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي قَبَسِهِ عَنْ مَالِكٍ فِي غَيْرِ التَّاجِرِ وَإِنَّ مَالِكًا قَدْ خَفَّفَ فِي ذَلِكَ , قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَالْحُجَّةُ فِيهِ لِمَالِكٍ بَيِّنَةٌ . قَالَ الْأَبْهَرِيُّ : إنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الرِّفْقِ لِطَلَبِ التِّجَارَةِ وَلِئَلَّا يَفُوتَ السُّوقُ وَلَيْسَ الرِّبَا إلَّا عَلَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يُرْبِيَ مِمَّنْ يَقْصِدُ إلَى ذَلِكَ وَيَبْتَغِيهِ . وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الصِّحَاحِ بِالْمُكَسَّرَةِ ; وَلِأَنَّ لِلصِّنَاعَةِ قِيمَةً بِدَلِيلِ حَالَةِ الْإِتْلَافِ , فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ ضَمَّ قِيمَةَ الصِّنَاعَةِ إلَى الذَّهَبِ . وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ : إنْ قَالَ لِصَانِعٍ : اصْنَعْ لِي خَاتَمًا وَزْنَ دِرْهَمٍ , وَأُعْطِيَك مِثْلَ وَزْنِهِ وَأُجْرَتَك دِرْهَمًا فَلَيْسَ ذَلِكَ بَيْعَ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ , وَقَالَ أَصْحَابُنَا : لِلصَّائِغِ أَخْذُ الدِّرْهَمَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي مُقَابَلَةِ الْخَاتَمِ وَالثَّانِي أُجْرَةٌ لَهُ .

الرِّبَا فِي دَارِ الْحَرْبِ :

37 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَأَبُو يُوسُفَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا بَيْنَ دَارِ الْحَرْبِ وَدَارِ الْإِسْلَامِ , فَمَا كَانَ حَرَامًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ حَرَامًا فِي دَارِ الْحَرْبِ , سَوَاءٌ جَرَى بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ أَوْ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيٍّ , وَسَوَاءٌ دَخَلَهَا الْمُسْلِمُ بِأَمَانٍ أَمْ بِغَيْرِهِ . وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ ; وَلِأَنَّ مَا كَانَ رِبًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ رِبًا مُحَرَّمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ كَمَا لَوْ تَبَايَعَهُ مُسْلِمَانِ مُهَاجِرَانِ وَكَمَا لَوْ تَبَايَعَهُ مُسْلِمٌ وَحَرْبِيٌّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ; وَلِأَنَّ مَا حُرِّمَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حُرِّمَ هُنَاكَ كَالْخَمْرِ وَسَائِرِ الْمَعَاصِي ; وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَصِحَّ كَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ هُنَاكَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ : لَا يَحْرُمُ الرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَا بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ أَسْلَمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُهَاجِرَا مِنْهَا ; لِأَنَّ مَالَهُمْ مُبَاحٌ إلَّا أَنَّهُ بِالْأَمَانِ حُرِّمَ التَّعَرُّضُ لَهُ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ تَحَرُّزًا عَنْ الْغَدْرِ وَنَقْضِ الْعَهْدِ , فَإِذَا رَضَوْا بِهِ حَلَّ أَخْذُ مَالِهِمْ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ , بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمَنِ ; لِأَنَّ مَالَهُ صَارَ مَحْظُورًا بِالْأَمَانِ

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٢٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٢٥٩