تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الْأَجْنَاسُ الَّتِي نُصَّ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِيهَا :

19 - الْأَجْنَاسُ الَّتِي نُصَّ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِيهَا سِتَّةٌ وَهِيَ : الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالْمِلْحُ , وَقَدْ وَرَدَ النَّصُّ عَلَيْهَا فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ , مِنْ أَتَمِّهَا حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ السَّابِقُ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْقَوْلِ بِمُقْتَضَى هَذِهِ السُّنَّةِ , وَعَلَيْهَا جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ , إلَّا فِي الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ فَإِنَّ مَالِكًا جَعَلَهُمَا صِنْفًا وَاحِدًا , فَلَا يَجُوزُ مِنْهُمَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ , وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَمُعْظَمِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ , وَأَضَافَ مَالِكٌ إلَيْهِمَا السُّلْتَ . وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ رِبَا الْفَضْلِ لَا يَجْرِي إلَّا فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ , وَلَا يَجْرِي فِي الْجِنْسَيْنِ وَلَوْ تَقَارَبَا لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : ﴿ بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ ﴾ . وَخَالَفَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فَقَالَ : كُلُّ شَيْئَيْنِ يَتَقَارَبُ الِانْتِفَاعُ بِهِمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا , كَالْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ , وَالتَّمْرِ بِالزَّبِيبِ , لِأَنَّهُمَا يَتَقَارَبُ نَفْعُهُمَا فَجَرَيَا مَجْرَى نَوْعَيْ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ .

الِاخْتِلَافُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ :

20 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا سِوَى الْأَجْنَاسِ السِّتَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه , وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ , هَلْ يَحْرُمُ الرِّبَا فِيهَا كَمَا يَحْرُمُ فِي هَذِهِ الْأَجْنَاسِ السِّتَّةِ أَمْ لَا يَحْرُمُ ؟ . فَذَهَبَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّ تَحْرِيمَ الرِّبَا لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْأَجْنَاسِ السِّتَّةِ , بَلْ يَتَعَدَّى إلَى مَا فِي مَعْنَاهَا , وَهُوَ مَا وُجِدَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ الَّتِي هِيَ سَبَبُ التَّحْرِيمِ فِي الْأَجْنَاسِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ ; لِأَنَّ ثُبُوتَ الرِّبَا فِيهَا بِعِلَّةٍ , فَيَثْبُتُ فِي كُلِّ مَا وُجِدَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ الَّتِي هِيَ سَبَبُ التَّحْرِيمِ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ , فَتُسْتَخْرَجُ عِلَّةُ الْحُكْمِ وَيَثْبُتُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وُجِدَتْ عِلَّتُهُ فِيهِ . وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَإِسْحَاقَ بْنَ إبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيَّ رَوَيَا حَدِيثَ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الْأَعْيَانِ السِّتَّةِ وَفِي آخِرِهِ ﴿ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ ﴾ فَهُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى تَعْدِيَةِ الْحُكْمِ إلَى سَائِرِ الْأَمْوَالِ , وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ﴿ لَا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ الرَّمَا ﴾ أَيْ الرِّبَا , وَلَمْ يُرِدْ بِهِ عَيْنَ الصَّاعِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الصَّاعِ , كَمَا يُقَالُ خُذْ هَذَا الصَّاعَ أَيْ مَا فِيهِ , وَوَهَبْت لِفُلَانٍ صَاعًا أَيْ مِنْ الطَّعَامِ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ ﴿ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ , فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ , فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : أَكُلُّ تَمْرَ خَيْبَرَ هَكَذَا ؟ قَالَ : لَا , وَاَللَّهِ , يَا رَسُولَ اللَّهِ , إنَّا لَنَشْتَرِي الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ مِنْ الْجَمْعِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : لَا تَفْعَلُوا , وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ , أَوْ بِيعُوا هَذَا وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا , وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ ﴾ . يَعْنِي مَا يُوزَنُ بِالْمِيزَانِ , فَتَبَيَّنَ بِهَذِهِ الْآثَارِ قِيَامُ الدَّلِيلِ عَلَى تَعْدِيَةِ الْحُكْمِ مِنْ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ إلَى غَيْرِهَا . وَكَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ مَالَ الرِّبَا سِتَّةُ أَشْيَاءَ , وَلَكِنْ ذَكَرَ حُكْمَ الرِّبَا فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ . وَفَائِدَةُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ السِّتَّةِ بِالذِّكْرِ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ عَامَّةَ الْمُعَامَلَاتِ يَوْمَئِذٍ كَانَتْ بِهَا عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : ﴿ كُنَّا فِي الْمَدِينَةِ نَبِيعُ الْأَوْسَاقَ وَنَبْتَاعُهَا ﴾ وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَسْقِ مِمَّا تَكْثُرُ الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَهِيَ الْأَجْنَاسُ الْمَذْكُورَةُ . وَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَمَسْرُوقٍ وَالشَّعْبِيِّ وَقَتَادَةَ وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ وَنَفَّات الْقِيَاسِ أَنَّهُمْ قَصَرُوا التَّحْرِيمَ عَلَى الْأَجْنَاسِ الْمَنْصُوصِ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِيهَا , وَقَالُوا إنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَجْرِي فِي غَيْرِهَا بَلْ إنَّهُ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ , وَمِمَّا احْتَجُّوا بِهِ : أَنَّ الشَّارِعَ خَصَّ مِنْ الْمَكِيلَاتِ وَالْمَطْعُومَاتِ وَالْأَقْوَاتِ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ , فَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا فِي كُلِّ الْمَكِيلَاتِ أَوْ فِي كُلِّ الْمَطْعُومَاتِ لَقَالَ : لَا تَبِيعُوا الْمَكِيلَ بِالْمَكِيلِ مُتَفَاضِلًا أَوْ : لَا تَبِيعُوا الْمَطْعُومَ بِالْمَطْعُومِ مُتَفَاضِلًا , فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَكُونُ أَشَدَّ اخْتِصَارًا وَأَكْثَرَ فَائِدَةً , فَلَمَّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَعَدَّ الْأَرْبَعَةَ عَلِمْنَا أَنَّ حُكْمَ الْحُرْمَةِ مَقْصُورٌ عَلَيْهَا . وَأَنَّ التَّعْدِيَةَ مِنْ مَحَلِّ النَّصِّ إلَى غَيْرِ مَحَلِّ النَّصِّ لَا تُمْكِنُ إلَّا بِوَاسِطَةِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ وَهُوَ عِنْدَ نُفَاةِ الْقِيَاسِ غَيْرُ جَائِزٍ .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٢٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٢٥٣