تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الْخِلَافُ فِي رِبَا الْفَضْلِ :

16 - أَطْبَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي بَيْعِ الرِّبَوِيَّاتِ إذَا اجْتَمَعَ التَّفَاضُلُ مَعَ النَّسَاءِ , وَأَمَّا إذَا انْفَرَدَ نَقْدًا فَإِنَّهُ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ قَدِيمٌ : صَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهم إبَاحَتُهُ , وَكَذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما مَعَ رُجُوعِهِ عَنْهُ , وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهم , وَفِيهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه شَيْءٌ مُحْتَمَلٌ , وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ رضي الله عنهما مِنْ الصَّحَابَةِ , وَأَمَّا التَّابِعُونَ : فَصَحَّ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَفُقَهَاءِ الْمَكِّيِّينَ , وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ وَعُرْوَةَ .

انْقِرَاضُ الْخِلَافِ فِي رِبَا الْفَضْلِ وَدَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ :

17 - نَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنْ ابْنِ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ قَالَ : أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ : مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ , وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ , وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ , وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدِ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ , وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ , وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ , وَلَا فِضَّةٍ بِفِضَّةٍ , وَلَا بُرٍّ بِبُرٍّ , وَلَا شَعِيرٍ بِشَعِيرٍ , وَلَا تَمْرٍ بِتَمْرٍ , وَلَا مِلْحٍ بِمِلْحٍ , مُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ , وَلَا نَسِيئَةً , وَأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرْبَى وَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ , قَالَ : وَقَدْ رَوَيْنَا هَذَا الْقَوْلَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَجَمَاعَةٍ يَكْثُرُ عَدَدُهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ . وَنَاقَشَ السُّبْكِيّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ مِنْ عِدَّةِ وُجُوهٍ , وَانْتَهَى إلَى الْقَوْلِ : فَعَلَى هَذَا امْتَنَعَ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فِي تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ , لَكِنَّا بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى مُسْتَغْنُونَ عَنْ الْإِجْمَاعِ فِي ذَلِكَ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَضَافِرَةِ , وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى الْإِجْمَاعِ فِي مَسْأَلَةٍ خَفِيَّةٍ سَنَدُهَا قِيَاسٌ أَوْ اسْتِنْبَاطٌ دَقِيقٌ .

الْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ :

18 - رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ : مِنْهَا : مَا رَوَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : ﴿ لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ ﴾ . وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ﴿ الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ , لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا , فَمَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِوَرِقٍ , فَلْيَصْرِفْهَا بِذَهَبٍ , وَمَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِذَهَبٍ فَلْيَصْرِفْهَا بِوَرِقٍ , وَالصَّرْفُ هَاءٌ وَهَاءٌ ﴾ . وَمَا رَوَى عُبَادَةَ بْنُ الصَّامِتِ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ﴿ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ , وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ , وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ , وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ , وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ , وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ , مِثْلًا بِمِثْلٍ , سَوَاءً بِسَوَاءٍ , يَدًا بِيَدٍ , فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ﴾ . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ﴿ إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ ﴾ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : مِثْلُ هَذَا يُرَادُ بِهِ حَصْرُ الْكَمَالِ وَأَنَّ الرِّبَا الْكَامِلَ إنَّمَا هُوَ فِي النَّسِيئَةِ , كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ وَكَقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ : إنَّمَا الْعَالِمُ الَّذِي يَخْشَى اللَّهَ , وَمِثْلُهُ عِنْدَ ابْنِ حَجَرٍ , قَالَ : قِيلَ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ : ﴿ لَا رِبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ ﴾ الرِّبَا الْأَغْلَظُ الشَّدِيدُ التَّحْرِيمُ الْمُتَوَعَّدُ عَلَيْهِ بِالْعِقَابِ الشَّدِيدِ , كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ : لَا عَالِمَ فِي الْبَلَدِ إلَّا زَيْدٌ مَعَ أَنَّ فِيهَا عُلَمَاءَ غَيْرَهُ , وَإِنَّمَا الْقَصْدُ نَفْيُ الْأَكْمَلِ لَا نَفْيُ الْأَصْلِ . وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ : يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ مَفْهُومَ حَدِيثِ أُسَامَةَ عَامٌّ ; لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ رِبَا الْفَضْلِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ الْأَجْنَاسِ الرِّبَوِيَّةِ أَمْ لَا , فَهُوَ أَعَمُّ مِنْهَا مُطْلَقًا , فَيُخَصَّصُ هَذَا الْمَفْهُومُ بِمَنْطُوقِهَا .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٢٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٢٥٢