ففي قوله: ﴿ أضعافًا مضاعفة ﴾ تنبيه على شدة شناعته بكثرته، وتنبيه لحكمة تحريمه، وأن تحريم الربا حكمته أن الله منع منه لما فيه من الظلم.
وذلك أن الله أوجب إنظار المعسر، وبقاء ما في ذمته من غير زيادة، فإلزامه بما فوق ذلك ظلم متضاعف، فيتعين على المؤمن المتقي تركه وعدم قربانه، لأن تركه من موجبات التقوى.
والفلاح متوقف على التقوى، فلهذا قال: ﴿ واتقوا الله لعلكم تفلحون واتقوا النار التي أعدت للكافرين ﴾ بترك ما يوجب دخولها، من الكفر والمعاصي، على اختلاف درجاتها، فإن المعاصي كلها- وخصوصا المعاصي الكبار- تجر إلى الكفر، بل هي من خصال الكفر الذي أعد الله النار لأهله، فترك المعاصي ينجي من النار، ويقي من سخط الجبار، وأفعال الخير والطاعة توجب رضا الرحمن، ودخول الجنان، وحصول الرحمة، ولهذا قال: ﴿ وأطيعوا الله والرسول ﴾ بفعل الأوامر امتثالا واجتناب النواهي ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ .
فطاعة الله وطاعة رسوله، من أسباب حصول الرحمة كما قال تعالى: ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة ﴾ الآيات.
-----------------
وفي الظلال (2):
لقد سبق الحديث عن الربا والنظام الربوي بالتفصيل في الجزء الثالث من هذه الظلال فلا نكرر الحديث عنه هنا . . ولكن نقف عند الأضعاف المضاعفة . فإن قوما يريدون في هذا الزمان أن يتواروا خلف هذا النص , ويتداروا به , ليقولوا:إن المحرم هو الأضعاف المضاعفة . أما الأربعة في المائة والخمسة في المائة والسبعة والتسعة . . فليست أضعافا مضاعفة . وليست داخلة في نطاق التحريم !
ونبدأ فنحسم القول بأن الأضعاف المضاعفة وصف لواقع , وليست شرطا يتعلق به الحكم . والنص الذي في سورة البقرة قاطع في حرمة أصل الربا - بلا تحديد ولا تقييد: (وذروا ما بقي من الربا) . . أيا كان !
فإذا انتهينا من تقرير المبدأ فرغنا لهذا الوصف , لنقول:إنه في الحقيقة ليس وصفا تاريخيا فقط للعمليات الربوية التي كانت واقعة في الجزيرة , والتي قصد إليها النهي هنا بالذات . إنما هو وصف ملازم للنظام الربوي المقيت , أيا كان سعر الفائدة .
إن النظام الربوي معناه إقامة دورة المال كلها على هذه القاعدة . ومعنى هذا أن العمليات الربوية ليست عمليات مفردة ولا بسيطة . فهي عمليات متكررة من ناحية , ومركبة من ناحية أخرى . فهي تنشىء مع الزمن والتكرار والتركيب أضعافا مضاعفة بلا جدال .
إن النظام الربوي يحقق بطبيعته دائما هذا الوصف . فليس هو مقصورا على العمليات التي كانت متبعة في جزيرة العرب . إنما هو وصف ملازم للنظام في كل زمان .
(1) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 147)
(2) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 66)