قلت : قال مجاهد كانوا يبيعون البيع إلى أجل ، فإذا حلّ الأجل زادوا في الّثَمن على أن يؤخرّوا؛ فأنزل الله عز وجل ﴿ يَآ أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً ﴾ . ( قلت ) وإنما خص الربا من بين سائر المعاصي؛ لأنه الذي أذن الله فيه بالحرب في قوله : ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ ﴾ [ البقرة : 279 ] والحرب يؤذِن بالقتل؛ فكأنه يقول : إِن لم تتقوا الربا هُزِمتم وقُتلتم . فأمرهم بترك الربا؛ لأنه كان معمولاً به عندهم ، والله أعلم . و ﴿ أَضْعَافاً ﴾ نصب على الحال و ﴿ مُّضَاعَفَةً ﴾ نعته . وقرىء «مُضَعّفَةً» ومعناه : الربا الذي كانت العرب تُضْعف فيه الدِينْ ، فكان الطالب يقول : أتقضي أم تُرْبي؟ كما تقدم في «البقرة» و ﴿ مُّضَاعَفَةً ﴾ إشارة إلى تكرار التضعيف عاماً بعد عامٍ كما كانوا يصنعون؛ فدلت هذه العبارة المؤكدة على شُنعة فعلهم وقُبحه؛ ولذلك ذُكرت حالة التضعيف خاصة .
قوله تعالى : ﴿ واتقوا الله ﴾ أي في أموال الربا فلا تأكلوها . ثم خوفهم فقال : ﴿ واتقوا النار التي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ قال كثير من المفسرين : وهذا وعيد لمن استحل الربا ، ومن استحل الربا فإنه يكْفُر ( ويُكَفّر ) . وقيل : معناه اتقوا العمل الذي ينزع منكم الإيمان فتستوجبون النار؛ لأن من الذنوب ما يستوجب به صاحبه نزع الإيمان ويخاف عليه؛ من ذلك عقوق الوالدين . وقد جاء في ذلك أثر : أن رجلا كان عاقا لوالديه يقال له عَلْقَمَة؛ فقيل له عند الموت : قل لا إله إلا الله ، فلم يقدر على ذلك حتى جاءته أمه فرضيت عنه . ومن ذلك قطيعة الرحم وأكل الربا والخيانة في الأمانة . وذكر أبو بكر الورّاق عن أبي حنيفة أنه قال : أكثر ما ينزع الإيمان من العبد عند الموت . ثم قال أبو بكر : فنظرنا في الذنوب التي تنزع الإيمان فلم نجد شيئاً أسرع نزعا للإيمان من ظلم العباد . وفي هذه الآية دليل على أن النار مخلوقة رداً على الجَهْمِية؛ لأن المعدوم لا يكون مُعَداً . ثم قال : ﴿ وَأَطِيعُواْ الله ﴾ ( يعني أطيعوا الله ) في الفرائض ﴿ والرسول ﴾ في السنن : وقيل : «أطيعُوا اللَّهَ» في تحريم الربا «والرسول» فيما بلّغكم من التحريم . ﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ أي كي يرحمكم الله . وقد تقدّم .
------------------
وقال السعدي (1):
تقدم في مقدمة هذا التفسير أن العبد ينبغي له مراعاة الأوامر والنواهي [ ص 148 ] في نفسه وفي غيره، وأن الله تعالى إذا أمره بأمر وجب عليه -أولا- أن يعرف حده، وما هو الذي أمر به ليتمكن بذلك من امتثاله، فإذا عرف ذلك اجتهد، واستعان بالله على امتثاله في نفسه وفي غيره، بحسب قدرته وإمكانه، وكذلك إذا نهي عن أمر عرف حده، وما يدخل فيه وما لا يدخل، ثم اجتهد واستعان بربه في تركه، وأن هذا ينبغي مراعاته في جميع الأوامر الإلهية والنواهي، وهذه الآيات الكريمات قد اشتملت عن أوامر وخصال من خصال الخير، أمر الله [بها] وحث على فعلها، وأخبر عن جزاء أهلها، وعلى نواهي حث على تركها.
ولعل الحكمة -والله أعلم- في إدخال هذه الآيات أثناء قصة "أحد" أنه قد تقدم أن الله تعالى وعد عباده المؤمنين، أنهم إذا صبروا واتقوا نصرهم على أعدائهم، وخذل الأعداء عنهم، كما في قوله تعالى: ﴿ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ﴾ .
ثم قال: ﴿ بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم ﴾ الآيات.
فكأن النفوس اشتاقت إلى معرفة خصال التقوى، التي يحصل بها النصر والفلاح والسعادة، فذكر الله في هذه الآيات أهم خصال التقوى التي إذا قام العبد بها فقيامه بغيرها من باب أولى وأحرى، ويدل على ما قلنا أن الله ذكر لفظ "التقوى" في هذه الآيات ثلاث مرات: مرة مطلقة وهي قوله: ﴿ أعدت للمتقين ﴾ ومرتين مقيدتين، فقال: ﴿ واتقوا الله ﴾ ﴿ واتقوا النار ﴾ فقوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ كل ما في القرآن من قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ افعلوا كذا، أو اتركوا كذا، يدل على أن الإيمان هو السبب الداعي والموجب لامتثال ذلك الأمر، واجتناب ذلك النهي؛ لأن الإيمان هو التصديق الكامل بما يجب التصديق به، المستلزم لأعمال الجوارح، فنهاهم عن أكل الربا أضعافا مضاعفة، وذلك هو ما اعتاده أهل الجاهلية، ومن لا يبالي بالأوامر الشرعية من أنه إذا حل الدين، على المعسر ولم يحصل منه شيء، قالوا له: إما أن تقضي ما عليك من الدين، وإما أن نزيد في المدة، ويزيد ما في ذمتك، فيضطر الفقير ويستدفع غريمه ويلتزم ذلك، اغتناما لراحته الحاضرة، ، فيزداد -بذلك- ما في ذمته أضعافا مضاعفة، من غير نفع وانتفاع.