وليس المهم هو شكلية النظام . إنما المهم هو روحه . فالمجتمع الذي يربيه الإسلام بتوجيهاته وتشريعاته ونظامه , متناسق مع شكل النظام وإجراءاته , متكامل مع التشريعات والتوجيهات , ينبع التكافل من ضمائره ومن تنظيماته معا متناسقة متكاملة . وهذه حقيقة قد لا يتصورها الذين نشأوا وعاشوا في ظل الأنظمة المادية الأخرى . ولكنها حقيقة نعرفها نحن - أهل الإسلام - ونتذوقها بذوقنا الإيماني . فإذا كانوا هم محرومين من هذا الذوق لسوء طالعهم ونكد حظهم - وحظ البشرية التي صارت إليهم مقاليدها وقيادتها - فليكن هذا نصيبهم ! وليحرموا من هذا الخير الذي يبشر الله به: الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة . . ليحرموا من الطمأنينة والرضى , فوق حرمانهم من الأجر والثواب . فإنما بجهالتهم وجاهليتهم وضلالهم وعنادهم يحرمون !
إن الله - سبحانه - يعد الذين يقيمون حياتهم على الإيمان والصلاح والعبادة والتعاون , أن يحتفظ لهم بأجرهم عنده . ويعدهم بالأمن فلا يخافون . وبالسعادة فلا يحزنون:
(لهم أجرهم عند ربهم , ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) . .
في الوقت الذي يوعد أكلة الربا والمجتمع الربوي بالمحق والسحق , وبالتخبط والضلال , وبالقلق والخوف .
وشهدت البشرية ذلك واقعا في المجتمع المسلم ; وتشهد اليوم هذا واقعا كذلك في المجتمع الربوي ! ولو كنا نملك أن نمسك بكل قلب غافل فنهزه هزا عنيفا حتى يستيقظ لهذه الحقيقة الماثلة ; ونمسك بكل عين مغمضة فنفتح جفنيها على هذا الواقع . . لوكنا نملك لفعلنا . . ولكننا لا نملك إلا أن نشير إلى هذه الحقيقة ; لعل الله أن يهدي البشرية المنكودة الطالع إليها . . والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن . والهدى هدى الله . .
وفي ظل هذا الرخاء الآمن الذي يعد الله به الجماعة المسلمة , التي تنبذ الربا من حياتها , فتنبذ الكفر والإثم , وتقيم هذه الحياة على الإيمان والعمل الصالح والعبادة والزكاة . . في ظل هذا الرخاء الأمن يهتف بالذين آمنوا الهتاف الأخير ليحولوا حياتهم عن النظام الربوي الدنس المقيت ; وإلا فهي الحرب المعلنة من الله ورسوله , بلا هوادة ولا إمهال ولا تأخير:
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله , وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين . فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله . وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) . .
إن النص يعلق إيمان الذين آمنوا على ترك ما بقي من الربا . فهم ليسوا بمؤمنين إلا أن يتقوا الله ويذروا ما بقي من الربا . ليسوا بمؤمنين ولو اعلنوا أنهم مؤمنون . فإنه لا إيمان بغير طاعة وانقياد واتباع لما أمر الله به . والنص القرآني لا يدعهم في شبهة من الأمر . ولا يدع إنسانا يتستر وراء كلمة الإيمان , بينما هو لا يطيع ولا يرتضي ما شرع الله , ولا ينفذه في حياته , ولا يحكمه في معاملاته . فالذين يفرقون في الدين بين الاعتقاد والمعاملات ليسوا بمؤمنين . مهما ادعوا الإيمان وأعلنوا بلسانهم أو حتى بشعائر العبادة الأخرى أنهم مؤمنون !
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا . . إن كنتم مؤمنين) . .
لقد ترك لهم ما سلف من الربا - لم يقرر استرداده منهم , ولا مصادرة أموالهم كلها أو جزء منها بسبب أن الربا كان داخلا فيها . . إذ لا تحريم بغير نص . . ولا حكم بغير تشريع . . والتشريع ينفذ وينشىء آثاره بعد صدوره . . فأما الذي سلف فأمره إلى الله لا إلى أحكام القانون . وبذلك تجنب الإسلام أحداث هزة اقتصادية واجتماعية ضخمة لو جعل لتشريعه أثرا رجعيا . وهو المبدأ الذي أخذ به التشريع الحديث حديثا ! ذلك أن التشريع الإسلامي موضوع ليواجه حياة البشر الواقعية , ويسيرها , ويطهرها , ويطلقها تنمو وترتفع معا . . وفي الوقت ذاته علق اعتبارهم مؤمنين على قبولهم لهذا التشريع وإنفاذه في حياتهم منذ نزوله وعلمهم به . واستجاش في قلوبهم - مع هذا - شعور التقوى لله . وهو الشعور الذي ينوط به الإسلام تنفيذ شرائعه , ويجعله الضمان الكامن في ذات الأنفس , فوق الضمانات المكفولة بالتشريع ذاته . فيكون له من ضمانات التنفيذ ما ليس للشرائع الوضعية التي لا تستند إلا للرقابة الخارجية ! وما أيسر الاحتيال على الرقابة الخارجية , حين لا يقوم من الضمير حارس له من تقوى الله سلطان .