تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذين لا يرون هذه الحقيقة في واقع البشرية , هم الذين لا يريدون أن يروا , لأن لهم هوى في عدم الرؤية ! أو الذين رانت على أعينهم غشاوة الأضاليل المبثوثة عمدا وقصدا من أصحاب المصلحة في قيام النظام الربوي المقيت ; فضغطوا عن رؤية الحقيقة !

(والله لا يحب كل كفار أثيم) . .

وهذا التعقيب هنا قاطع في اعتبار من يصرون على التعامل الربوي - بعد تحريمه - من الكفار الآثمين , الذين لا يحبهم الله . وما من شك أن الذين يحلون ما حرم الله ينطبق عليهم وصف الكفر والإثم , ولو قالوا بألسنتهم ألف مرة:لا إله إلا الله . محمد رسول الله . فالإسلام ليس كلمة باللسان ; إنما هو نظام حياة ومنهج عمل ; وإنكار جزء منه كإنكار الكل . . وليس في حرمة الربا شبهة ; وليس في اعتباره حلالا وإقامة الحياة على أساسه إلا الكفر والإثم . . والعياذ بالله .

وفي الصفحة المقابلة لصفحة الكفر والإثم , والتهديد الساحق لأصحاب منهج الربا ونظامه , يعرض صفحة الإيمان والعمل الصالح , وخصائص الجماعة المؤمنة في هذا الجانب , وقاعدة الحياة المرتكزة إلى النظام الآخر - نظام الزكاة - المقابل لنظام الربا:

(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات , وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم , ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) . .

والعنصر البارز في هذه الصفحة هو عنصر "الزكاة " . عنصر البذل بلا عوض ولا رد . والسياق يعرض بهذا صفة المؤمنين وقاعدة المجتمع المؤمن . ثم يعرض صورة الأمن والطمأنينة والرضى الإلهي المسبغ على هذا المجتمع المؤمن .

إن الزكاة هي قاعدة المجتمع المتكافل المتضامن ; الذي لا يحتاج إلى ضمانات النظام الربوي في أي جانب من جوانب حياته .

وقد بهتت صورة "الزكاة " في حسنا وحس الأجيال التعيسة من الأمة الإسلامية التي لم تشهد نظام الإسلام مطبقا في عالم الواقع ; ولم تشهد هذا النظام يقوم على أساس التصور الإيماني والتربية الإيمانية والأخلاق الإيمانية , فيصوغ النفس البشرية صياغة خاصة , ثم يقيم لها النظام الذي تتنفس فيه تصوراتها الصحيحة وأخلاقها النظيفة وفضائلها العالية . ويجعل "الزكاة " قاعدة هذا النظام , في مقابل نظام الجاهلية الذي يقوم على القاعدة الربوية . ويجعل الحياة تنمو والاقتصاد يرتقي عن طريق الجهد الفردي , أو التعاون البريء من الربا !

بهتت هذه الصورة في حس هذه الأجيال التعيسة المنكودة الحظ التي لم تشهد تلك الصورة الرفيعة من صور الإنسانية . إنما ولدت وعاشت في غمرة النظام المادي , القائم على الأساس الربوي . وشهدت الكزازة والشح , والتكالب والتطاحن , والفردية الأثرة التي تحكم ضمائر الناس . فتجعل المال لا ينتقل إلى من يحتاجون إليه إلا في الصورة الربوية الخسيسة ! وجعلت الناس يعيشون بلا ضمانات , ما لم يكن لهم رصيد من المال ; أو يكونوا قد اشتركوا بجزء من مالهم في مؤسسات التأمين الربوية ! وجعلت التجارة والصناعة لا تجد المال الذي تقوم به , ما لم تحصل عليه بالطريقة الربوية ! فوقر في حس هذه الأجيال المنكودة الطالع أنه ليس هناك نظام إلا هذا النظام ; وأن الحياة لا تقوم إلا على هذا الأساس !

بهتت صورة الزكاة حتى أصبحت هذه الأجيال تحسبها إحسانا فرديا هزيلا , لا ينهض على أساسه نظام عصري ! ولكن كم تكون ضخامة حصيلة الزكاة , وهي تتناول اثنين ونصفا في المائة من أصل رؤوس الأموال الأهلية مع ربحها ? يؤديها الناس الذين يصنعهم الإسلام صناعة خاصة , ويربيهم تربية خاصة , بالتوجيهات والتشريعات , وبنظام الحياة الخاص الذي يرتفع تصوره على ضمائر الذين لم يعيشوا فيه ! وتحصلها الدولة المسلمة , حقا مفروضا , لا إحسانا فرديا . وتكفل بها كل من تقصر به وسائله الخاصة من الجماعة المسلمة ; حيث يشعر كل فرد أن حياته وحياة أولاده مكفولة في كل حالة ; وحيث يقضي عن الغارم المدين دينه سواء كان دينا تجاريا أو غير تجاري , من حصيلة الزكاة .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٥٥